مقاربة شمولية أمنية واقتصادية وفكرية ودينية أقرت مخابرات العالم، بقوة الأجهزة الأمنية المغربية في رصد وتفكيك الخلايا الإرهابية في مهدها، واعتقال أفرادها قبل أن تنفذ مخططاتها الجهنمية والشيطانية، وذلك بفضل حنكة كل المؤسسات التي تشتغل بتنسيق عملها، لكي تجنب المغرب وكل حلفائه حمامات دم. وتطور عمل الأجهزة الأمنية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية المعروف اختصارا ب" بسييج» على مر السنوات، لخبرة وكفاءة العاملين، وفي الوقت نفسه تعمل المصالح الميدانية على تطبيق مقاربة شاملة اقتصادية واجتماعية، عبر إنجاز مشاريع تنموية لفك العزلة عن أحزمة الفقر والبؤس في المدن عن الذين يتم استغلالهم لغسل أدمغتهم من قبل شيوخ الانترنيت المتطرفين، خاصة المواطنين الذين لا يتوفرون على حد أدنى من معرفة الدين. وأصدر الملك محمد السادس، عفوا على عشرات الأشخاص المدانين على خلفية قضايا الإرهاب، لمناسبات كثيرة، خاصة في الأعياد الدينية والوطنية، في خطوة تأتي في إطار إستراتيجية المملكة لمكافحة التطرف عبر تفعيل برنامج "مصالحة"، لإعادة تأهيل وإدماج السجناء المدانين بقضايا التطرف، بعدما قاموا بمراجعات فكرية، وتخلوا عن التشدد والتطرف في أفكارهم وسلوكهم. وأعطى مركز مصالحة، أخيرا بالسجن المحلي سلا، انطلاقة برنامج «محاضرات علمية» الموجه إلى سجناء قضايا التطرف والإرهاب، الهادف إلى تمنيع الفضاء السجني وتحصينه، من خلال جعل هؤلاء النزلاء يفكون ارتباطهم بالفكر المتطرف، يتشبعون بقيم التسامح ونبذ الغلو . وأوضح مركز مصالحة، أن هذا البرنامج يؤطره خبراء وأساتذة متخصصون من الرابطة المحمدية للعلماء، من خلال محاضرات تفاعلية على امتداد 5 أيام في كل دورة، إذ يشارك في الأولى 50 نزيلا بالسجن المحلي سلا، على أن يستمر تنفيذ باقي دورات البرنامج (11 دورة) بمؤسسات سجنية أخرى خلال السنة الجارية. وأطلق المغرب برنامج "مصالحة" منذ 2017، مستهدفا المتطرفين الراغبين في مراجعة أفكارهم، عبر ثلاثة ركائز تشمل المصالحة مع الذات، والمجتمع، والنص الديني، تحت إشراف المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، والرابطة المحمدية للعلماء بالتعاون مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ويعتبر برنامج مصالحة، خطوة مهمة في جهود مكافحة التطرف، عبر مواجهة الفكر المتشدد بالفكر الديني المعتدل، بهدف تعزيز بيئة سالمة ومتسامحة في المجتمع المغربي. وتم توسيع فئة المستفيدين منه لتشمل النساء في 2019 فأصبحت بذلك تجربة رائدة على مستوى المنطقة المغاربية والعربية والإفريقية والآسيوية. وسعت الرابطة المحمدية للعلماء إلى مكافحة التطرف من خلال إنتاج البحوث العلمية، ومراجعة المناهج التعليمية، وتوعية الشباب حول المواضيع الدينية والاجتماعية، والاهتمام أكثر بالمراجعة الفكرية لمن تم استقطابه من قبل المنظمات الإرهابية، خاصة على مستوى فقهاء الأنترنيت، ودعوة المهتمين بالحقل الديني إلى ترك الشبهات والغلو والتحري في أمور الدين، عبر نشر كتب جديدة وضعت قراءة صحيحة للدين الإسلامي، لكي تجعل السجين يعتقد عن طيب خاطر، أنه كان على خطأ في السابق ويصحح مفاهيمه لمغادرة السجن. وبدا السجناء المعتقلون على خلفية قضايا الإرهاب والتطرف أكثر حماسة للمصالحة مع ذاتهم، ودينهم الإسلامي السمح والمعتدل، وهم يشاركون مثلا بالسجن المحلي سلا 2 في برنامج "مصالحة" في تجربة فريدة من نوعها، أضحت ملهمة لبعض الدول العربية والإسلامية لنشر فكر التسامح ونبذ العنف والكراهية. ومن بين التمارين التي أنجزها المستفيدون، في الدروس الدينية، تدريب على النقاش في إطار "مناظرات"، الذي اعتمد على تقنية محاكاة الخطاب المتطرف، إذ يلقي سجين من المستفيدين من البرنامج خطابا متطرفا يحرض فيه على الكراهية والعنف ومعاداة الآخر، في حين يرد السجين الثاني المشارك في المحاكاة بخطاب مفكك للخطاب الأول، وإبطاله بالاستعانة بآيات قرآنية، لتفادي إنتاج خطاب التطرف الذي ذهب ضحيته مئات الشباب. كما اهتمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في محاربتها للتطرف، بمحتوى رقمي عبر وضع عشر منصات اجتماعية في "اليوتوب» و»تيك توك» و"فيسبوك» وغيرها لإبعاد الشباب عن التطرف، كما تدبر الوزارة عشرين صفحة ل"فيسبوك"، التي يشترك فيها 700 ألف مشترك، ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمجالس العلمية، التي تزيد عن 282 صفحة تضم 800 ألف مشترك لأجل مواجهة المتطرفين وإبعادهم عن الغلو والتشدد في الدين الإسلامي. أحمد الأرقام