بقلم: الفاضل الرقيبي اختار النظام الجزائري، عن وعي، ومنذ إنشاء مخيمات تندوف، أن يفوض، بشكل غير قانوني، تدبير جزء من ترابه، الخاضع بالضرورة لسيادته، لمجموعة مسلحة اسمها "بوليساريو"، التي تمادى زعماؤها في انتهاك الحقوق، والتنكيل بكل صوت معارض، ونهب الدعم الإنساني المخصص للصحراويين، الذين فرض عليهم العيش في هذا السجن المفتوح، والذين تتواصل معاناتهم فيه بسبب القيود المشددة، التي لا يزال يفرضها عليهم الجيش الجزائري و"بوليساريو"، بمنعهم من التمتع بحقهم في حرية التنقل. وأدى هذا الواقع، أخيرا، إلى نشوب احتجاجات واسعة في المخيمات ضد هذه الإجراءات المجحفة، ما أسفر عن تدخل قوات حرس الحدود الجزائرية، ليلة الأربعاء الماضي، لفك اعتصام نظمه عدد من سكان المخيمات، مستعملة القوة المفرطة، ما زاد من حدة التوتر داخل المخيمات، التي تعاني أصلا ظروفا إنسانية صعبة. وفي ظل تفاقم الأوضاع بالمخيم، تبرز جبهة "بوليساريو" في موقف يعكس عجزها عن إيجاد حلول عملية لاحتواء حالة الغضب المتصاعدة بين الصحراويين، وهي التي استعملت، منذ البداية، أداة لخنق الحريات الأساسية، والإمعان في الإجهاز عليها، وجعل الصحراويين رهينة بين أيدي الجنرالات، الذين لا ينظرون لسكان المخيم إلا ورقة يحركونها، حسبما تستدعيه حساباتهم الجيوسياسية السقيمة تجاه المغرب. فالجزائر تنتهج، منذ 2016، سياسة ممنهجة لتقييد حركة سكان المخيمات، إذ لا يمكن للصحراويين مغادرة المخيمات إلا بإذن مسبق من مكتب التنسيق العسكري الجزائري في تندوف، أمام أنظار موظفي المندوبية السامية لغوث اللاجئين بالرابوني، وهو ما يشكل انتهاكا صارخا لحقهم في حرية التنقل دون أي تقييد أو حجر، التي تنص عليها اتفاقية جنيف. وبدل أن تحاول قيادة الرابوني السعي إلى التخفيف من وطأة الاحتقان الاجتماعي بالمخيم، لجأت إلى مزيد من الإجراءات القمعية، في مواجهة تصاعد الاحتجاجات الشعبية في الفترة الأخيرة، إذ أصدر ما يسمى وزير داخلية "بوليساريو"، في منتصف هذا الشهر، قرارا يفرض سقفا يحدد عدد المركبات التي يمكنها مغادرة المخيمات في 90 عربة أسبوعيا، وهو القرار الذي زاد من تفاقم معاناة الصحراويين، الذين يعتمدون على التنقل لتأمين احتياجاتهم الأساسية من تندوف، ومدن الشمال الموريتاني. وإلى جانب كل تلك التضييقات المفروضة على حرية التنقل، لجأ الجيش الجزائري إلى حملة اعتقالات واسعة استهدفت الشباب الصحراويين، الذين يحاولون الفرار من المخيمات، إذ تشير الإحصائيات إلى اعتقال 43 شابا، منذ بداية هذا العام فقط، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها سكان المخيمات، ويكشف الوجه الحقيقي لقيادة "بوليساريو"، التي تعيش في نوع من التخبط المزمن، خصوصا وهي ترى، يوما بعد يوم، عجز عرابها الجزائري هو الآخر، عن مواجهة تيار الانتصارات التي يراكمها المغرب، والتي باتت تدفع بالنزاع الإقليمي نحو نهاية وشيكة، وهو الأمر الذي لم يترك للجنرالات إلا اللجوء إلى المزيد من القمع، وضبط المركبات، الصادرة والواردة للمخيمات، حتى لا ينفرط عقدها، وتنهار الفكرة الانفصالية، التي سعوا إلى استنباتها جنوب المغرب. في المحصلة، لم تعد هذه الأزمة مجرد قضية حرية تنقل، بقدر ما أصبحت مرآة تعكس واقع "بوليساريو"، باعتباره كيانا مأزوما، ليس له إلا الإجهاز على حقوق من يدعي أنه يمثلهم. فالقرارات العشوائية والممارسات القمعية التي تنتهجها قيادة الرابوني، بأمر من مكتب التنسيق الجزائري، تكشف، بوضوح متزايد، أنها ليست سوى أداة لتنفيذ أجندات تتجاهل معاناة الصحراويين، الذين يدفعون الثمن الأكبر في صراع لا صوت لهم فيه سوى صوت المعاناة.