عبد الواحد كنفاوي أثبتت التجارب في تفعيل السياسات العمومية، أن البون شاسع بين التنظير والتنزيل. فهناك عدد من البرامج التي تبدو، على المستوى النظري، براقة وتتضمن أهدافا طموحة، لكن مضامين هذه المخططات والبرامج تظل حبرا على ورق ولا تجد لها سبيلا للتنزيل. فهناك، على سبيل المثال لا الحصر، المخطط الأخضر الذي تضمن محاور مهمة، تهم بالفلاحة التضامنية، المتعلقة بصغار المزارعين والمناطق النائية، ليتبين، بعد انتهاء المدة المحددة لهذا البرنامج، أن أزيد من ثلاثة أرباع الأهداف المحددة لم يتم إنجازها، وأن الربع الآخر من التدابير تم إنجاز بعضها، في حين أن الآخر ما يزال في طور الإنتاج أو تم التخلي عنه، وهذا بشهادة المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية. المثال الثاني يهم البرامج التي أعدت من أجل توفير مناصب الشغل وتقليص البطالة، وخصصت لهذه المخططات الملايير، لكنها لم توفر المناصب المعهودة، بل لم تنجح حتى في جعل رقعة البطالة مستقرة، إذ أن الإحصائيات الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط، تفيد أن معدل البطالة ارتفع إلى 13.3 على المستوى الوطني، وتوافد على سوق الشغل 58 ألف عاطل جديد. ويتعلق النموذج الثالث، الذي يعكس البون الكبير بين القول والفعل، بالبرامج التي أعدت لتأهيل الصناعة التقليدية وتحسين ظروف عيش الحرفيين، إذ تم إعداد عشرات البرامج المخصصة لهذه الفئات، طيلة عقود، لكن تعدد المشاريع لم يغير من شيء الواقع المرير، الذي يعيشه أغلب المهنيين، في حين أن الامتيازات والتدابير المتخذة لفائدة الفاعلين في القطاع تستفيد منها قلة من الأشخاص، الذي لا تربط عدد منهم صلة بالحرفة، إنما هم أناس عرفوا من أين تؤكل الكتف، وسمحوا لأنفسهم بالاستفادة من هذه الامتيازات الممنوحة، لأن لديهم إمكانيات وقريبين من مراكز صناعة القرار وتنزيله، فيكونون المستفيدين الأوائل، ويحولون باقي الصناع التقليديين إلى أجراء لديهم بأجور زهيدة، لا تسمن ولا تغني من جوع. ويمكن أن ينسحب هذا الأمر، أيضا، على باقي البرامج الأخرى، إذ أن كبار المزارعين والمستثمرين في القطاع الفلاحي، هم الذين استفادوا من الملايير التي أنفقت على تنزيل المخطط الأخضر، خاصة الضيعات الفلاحية المصدرة، في حين أن صغار الفلاحين ما زالوا ينتظرون غيث السماء. كما أن برامج التشغيل والاعتمادات المالية للتشغيل صبت في جيوب بعض المحظوظين، الذين تمكنوا من الاستفادة من التمويلات، في حين أن الفئات المستهدفة لم تجد طريقا إليها. والمؤلم أن هؤلاء المحظوظين يتجاوزون في بعض الأحيان كل الخطوط الحمراء، ويطمعون حتى في قوت الفقراء والمعوزين، كما هو الحال بالنسبة إلى أصحاب "الشكارة" الذين يتحكمون في قوت صناع تقليديين لا حول ولا قوة لهم. ويتضح من خلال هذه النماذج الثلاثة، أن الإشكال يكمن في التنزيل، لذا لا يكفي تسطير الأهداف والبرامج، ما لم تتوفر آليات تنفيذ فعالة.