بقلم: الفاضل الرقيبي خمسون سنة تمر على نزاع صنعته مختبرات العسكر الجزائري، التي أرادت أن تزرع شوكة اسمها "بوليساريو" في خاصرة المغرب، وها هي اليوم تحصد نتائج عقلية التآمر، التي طغت على فكرها وسلوكها، ليجد جنرالات بن عكنون أنفسهم في مواجهة صنيعتهم، التي تربت في كنفهم، آلة للعنف والجريمة المنظمة في منطقتنا المغاربية. فـ "بوليساريو"، التي مدها النظام الجزائري بكل شروط الاستمرار، ورقة يستغلها في معاركه العبثية ضد المغرب، تتحول اليوم إلى عامل تدمير من الداخل، بعد أن باتت كل المؤشرات تلوح بخبر قرب نهايتها، وأفول كل الأفكار الهدامة التي غذتها في المنطقة. تطور غير مسبوق ذاك الذي عرفته مخيمات تندوف، قبل يومين، من خلال المواجهات الدامية، الأولى من نوعها، بين ميليشيات "بوليساريو" والجيش الجزائري، في مشهد جاء ليؤكد عمق الخلاف الذي أصبح يدب في صفوف "بوليساريو" تجاه من كانت تسوق له حليفا، وهاهي اليوم تدفع عناصرها المسلحة للاقتتال معه. فـ "بوليساريو"، المجموعة المسلحة التي لا تتقن إلا لغة التمرد ضد كل أشكال النظام، والتي أطلقت المخابرات الجزائرية يدها لتسير المخيمات على طريقة العصابات، تذيق عرابها الجزائري من كأس التمرد نفسه، وتدخل معه في مواجهة بالرصاص الحي، إثر خلافات حول تجارة المخدرات التي يستأثر بها بعض قادة التنظيم بالمخيمات. هذه المواجهات المسلحة ليست حدثا عابرا بالمخيمات، فهي تعكس التحول العميق في وعي النظام الجزائري تجاه "بوليساريو"، والتي أصبح ينظر إليها مصدر خطر، إذا ما خرجت عن سيطرة مكتب التنسيق العسكري بتندوف، خصوصا أن مستقبل الأيام قد يحمل تغيرات كبرى في مسار النزاع، وشنقريحة لا يريد أن يترك تنظيم الجبهة خارج طوعه، بل يسعى إلى ضبط مجريات الأمور داخل المخيمات، استعدادا لأي متغير قد يتطلب توجيه قيادة الرابوني في أي اتجاه، قد يفرض عليه من قبل القوى العظمى. كما تعكس هذه المواجهات تطورا من نوع آخر بالرابوني، خصوصا أن بعض قادة الجبهة لا يخفون امتعاضهم مما يعتبرونه تحكما مبالغا فيه من قبل عسكر الجزائر، ما دفع بعضهم إلى التعبير عن آراء تدفع إلى التمرد على إملاءات مكتب التنسيق العسكري. هذان المعطيان دفعا إلى المواجهة العسكرية، التي يبدو أنها الأولى، لكنها لن تكون الأخيرة. تنضاف إلى هذا الاحتقان العسكري بتندوف، موجة احتجاجات عارمة في صفوف الصحراويين المدنيين، على خلفية تعرض عدد من الطالبات الصحراويات لاعتداءات عنيفة من قبل السلطات الجزائرية، بعد مطالبتهن بتحسين أوضاعهن المعيشية والتعليمية، بمتوسطة "البيوض"، التابعة لولاية "المشرية". وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط ضحايا في صفوف الطالبات، بعضهن في حالة خطيرة، ما أثار موجة غضب واستنكار واسع في أوساط سكان المخيم، الذين طالبوا، من خلال بلاغ للرأي العام، المجتمع الدولي بالتدخل لوضع حد لمعاناة بناتهم بمنطقة "المشرية" بالشمال الجزائري، وأعربوا عن قلقهم من استمرار تعرضهن للاعتداء الجسدي والنفسي من قبل السلطات الجزائرية، التي حرضت إدارة المؤسسة وزملاءهن من الطلبة الجزائريين، على ارتكاب أعمال عنف ضدهن. وقد تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورا مروعة للطالبات الصحراويات، تظهر حجم الضرر الذي لحق بهن من المواجهات التي وقعت داخل المؤسسة التعليمية، كما أظهرت بعض الفيديوهات مشاهد للضرب والرشق بالحجارة من قبل طالبات جزائريات، وكذا السب والشتم من لدن إدارة المؤسسة، في مشهد اعتبره الصحراويون دليلا على منسوب الكراهية الذي لا يتوانى أي جزائري عن إظهاره تجاه أبنائهم الذين يدرسون بالمدارس الجزائرية. لم تعد الرياح تجري بما تشتهيه سفن بن عكنون، فـ "بوليساريو" تدير اليوم فوهة بنادقها المهترئة في اتجاه من سلحها ومولها ودعمها دبلوماسيا، وتنتفض ضد سياساته التي أرهقتها وشتتتها دون فائدة، تاركة صحراويي المخيمات بين سندان عصابة تنهب قوتهم، وتفرض عليهم البقاء على أرض لحمادة بالإكراه، وسندان الجزائريين الذين لا يفوتون أي فرصة للتعبير عن كراهيتهم المتجذرة في نفوسهم تجاه كيان أصبحت تلفظه المنطقة برمتها.