عبد الواحد كنفاوي الملاحظ أن جل التعاقدات بين السلطات العمومية والتنظيمات المهنية لا تحقق أهدافها، إذ توقع عقود برامج بين فدراليات قطاعية ووزارات معنية وتحدد أهداف واضحة ودقيقة والاعتمادات المالية لتحقيقها، وبعد مرور سنوات، تأتي النتائج معاكسة للانتظارات، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذه الإخفاقات. السمة البارزة التي تجمع بين أغلب عقود البرامج الموقعة أنها تأتي في ظل ظرفية متأزمة تمر منها القطاعات المعنية بها، وتتضمن هذه التعاقدات أهدافا طموحة جدا، تكون في أغلب الأحيان أقرب إلى الأماني منها إلى الأهداف الإستراتيجية، لأنها لا تنبني، في مجملها، على دراسات علمية شاملة لتقييم الوضع القائم ودراسة السبل الكفيلة بتجاوزه والآليات التي ستسهر على تنفيذها بشكل فعال، وخصوصا المعيقات التي يمكن أن تفشل تحقيقها. وهكذا نصبح أمام عقود برامج تعبر عن النوايا والطموحات، ولا ترقى إلى مستوى إستراتيجية تنموية لتطوير الوضع وتأهيل القطاعات المعنية بهذه التعاقدات، وغالبا ما يكون الفشل نصيبها. فعالية العلاج تتوقف على التشخيص الدقيق للعلل. وغالبا ما تكون الأسباب متداخلة منها ما هو موضوعي يرتبط بالسياسة العامة، ومنها ماهو ذاتي مرتبط بالفاعلين في القطاعات المعنية بعقود برامج، فخير أن تأخذ الحكومة كل الوقت للإلمام بالملف على أن تتسرع وتكون مضطرة أو تأتي بعدها حكومة أخرى فتضطر إلى معاودة الكرة مرة أخرى، مع ما يعني ذلك من ضياع للجهد والوقت. فمنذ الاستقلال ونحن نسمع شعارات ضمان الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الحاجيات الغذائية، لكن الملاحظ والملموس أن تبعية المغرب للخارج في ما يخص الحاجيات الغذائية ليست في حاجة إلى تأكيد، وخير دليل على ذلك عجز الميزان التجاري الغذائي المستمر والذي يزداد اتساعا سنة بعد أخرى. وهناك نماذج عديدة للتعاقدات الفاشلة، من أبرزها عقود البرامج لتأهيل قطاع اللحوم الحمراء، إذ رغم التوقيع على ثلاثة عقود برامج، منذ 2009، باعتمادات مفترضة وصلت في مجملها إلى 25 مليار درهم، فإن الحصيلة بادية للعيان، إذ يعاني المغرب صعوبات في توفير العرض اللازم لتغطية الطلب من اللحوم الحمراء، ما جعل أسعارها تقفز إلى مستويات غير مسبوقة، ودفعت الحكومة إلى اللجوء إلى الخارج لسد الخصاص. أزمة الحليب دفعت الحكومة، أيضا، خلال 2023، على هامش المعرض الدولي للفلاحة، إلى التوقيع مع المهنيين على عقد برنامج باعتمادات مفترضة تتجاوز 12 مليار درهم، لرفع الإنتاجية وتقليص التجميع العشوائي للحليب إلى 10 في المائة، والزيادة في القطيع المنتج لهذه المادة الحيوية، إضافة إلى تحسين استهلاك الحليب. الحصيلة كما أكدها المهنيون تشير إلى تراجع الإنتاج بالنصف، وزيادة العشوائية في جمع الحليب من مربي أصناف الأبقار الحلوب، لتصل إلى 40 في المائة، بعدما لم تتجاوز 30 في المائة، قبل التوقيع على عقد البرنامج، كما أن القطيع عرف تقلصا بناقص 5 في المائة، وفق معطيات مهنية رسمية. هذه المعطيات توضح الفرق الشاسع بين الأهداف الإستراتيجية والأماني.