مساران متنافران في الرؤية والعمق الإنساني خلفا عالمين متناقضين بقلم: الفاضل الرقيبي لا شك أن منتصف السبعينات شكل منعطفا حقيقيا عاشته منطقتنا المغاربية، بعد أن أنهى المغرب آخر وجود استعماري بها، بمسيرة سلمية أرست اللبنة الأولى لمسار من التنمية عرفته ولا تزال، جل مناطق الصحراء، بينما في اللحظة نفسها من تاريخنا الراهن، اختارت الجزائر البومدينية أن تصنع على ترابها مخيمات تندوف، عنوانها مسيرة البؤس في اتجاه المجهول، وأورثتها كل من سيأتي بعدها على رأس زمرة الجنرالات، يستعملها إلى يومنا هذا، كيف يشاء في معاركه الدونكيشوتية إلى حد العبث. لم تكن المسيرة الخضراء نتاج عبقرية تحريرية تواجه مستعمرا فقط، بقدر ما كانت فلسفة للعيش والالتقاء بين أبناء الوطن الواحد، الذين فرقت بينهم سنوات عنف الاستعمار، لتتلاحم جهودهم من أجل الانطلاق بحواضر الصحراء نحو واقع جديد يؤمن بقدرة الصحراويين على تسيير أمورهم بأنفسهم، عبر مجالس منتخبة هي اليوم في صلب صناعة القرار المحلي، الذي حول العيون والداخلة وبوجدور والسمارة وغيرها، إلى أقطاب حضارية بين كثبان الرمال، وربطها بشبكات طرق وبنيات تحتية عملاقة، وأطلق بها مختلف الخدمات، من صحة وتعليم وغيرهما، وتحولت خلواتها إلى منتجعات سياحية وأخرى إلى تجمعات صناعية ضخمة. وكل هذا يعكس تلك الإرادة التي عبر عنها المغرب في جعل الصحراويين مسؤولين عن تدبير شأنهم المحلي بأنفسهم، ليجعلوا من الصحراء اليوم، منصة لصناعة الثروة والاستثمار، بشكل يضعها محورا تنافسيا على الواجهتين القارية والدولية. هي المسيرة نفسها التي انعكست على معيش الصحراويين، الذين أصبحوا اليوم، بفضلها، دكاترة ومهندسين وأطرا ذوي كفاءات عالية في التدبير العمومي والخاص، ما يؤهلهم للاضطلاع بأدوار ريادية، ليس فقط في تسيير الإدارة المحلية، بل أصبحوا يديرون مشاريع اقتصادية ضخمة، تضمن لنفسها اليوم حضورا بالأسواق الأوربية والإفريقية، التي ينافسون بها كبريات المجموعات الاقتصادية. وإلى جانب كل ما تحقق من تنمية تستجيب لتطلعات الصحراويين بهاته الأقاليم، فإن للمسيرة بعدا رمزيا وقيميا في وعي الصحراويين، يعبرون عنه في كل مناسبة في وطن يحمي الحقوق، ويصون كرامة المواطن، بل ويرسخ القناعة بأن هاته المسيرة التي انطلقت مذ زمن بعيد، كانت نقط انبعاث لقيم المواطنة التي تنصهر في حضن مغرب يفخر بما حقق لنفسه من نجاحات، وها هو اليوم يجني ثمارها. ومقابل كل هذا، يرى الصحراويون أنفسهم، البعض من بني عمومتهم في الجانب الآخر، رهائن بين أيدي «بوليساريو»، التي صنعت وهما اسمه «الدولة الصحراوية»، وحشدت لها المناصرين من مرتزقة دول الساحل وغرب إفريقيا، لتؤسس على أرض لحمادة مخيمات تندوف، وتطلق بذلك مسيرة أخرى نقيضة، سِمتها الأبرز البؤس الإنساني والإجهاز على كرامة الصحراويين برعاية دولة العسكر، فسكان المخيمات، وجدوا أنفسهم رهن احتجاز أبدي تحت رحمة مجموعة مسلحة، حولتهم إلى قطعان من المشردين في ظروف لا آدمية، ووزعتهم على المعتقلات السرية ومعسكرات التدريب العسكري، ومراكز الشحن الأيديولوجي، فالتهمت السنين أعمار الرعيل الأول من المحتجزين، بينما الرعيل الثاني الذي تربى في كنف عصابة الرابوني، تحول إلى خزان بشري يغذي المجموعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة من تهريب للمخدرات واتجار في الأسلحة و البشر، وغير ذلك من صنوف الأنشطة الخارجة عن نطاق القانون. نجحت «بوليساريو» في استغلال هذه المجموعة البشرية، من أجل مراكمة الثروة من أموال الدعم الإنساني الموجه للصحراويين. فرغم الأموال الجزائرية والليبية الطائلة التي كانت تتدفق لسنوات طويلة على قيادة «بوليساريو» والهبات الممنوحة من قبل المنظمات الدولية، لازالت قيادة الرابوني مستمرة عن وعي في الإبقاء على حال البؤس الذي يعيشه الصحراويون بالمخيمات، التي لا يوجد بها مستشفى واحد مؤهل لعلاج حتى الأمراض الموسمية، زد على ذلك، فإن الأطفال على أرض الحمادة لا يجدون فرصة للولوج إلى تعليم يحترم الشروط الدنيا للتحصيل المعرفي المتزن، لأنه يستغل من قبل قيادة الجبهة لتنشئة جيل من الصحراويين على خطابات الكراهية والعنف، قبل أن يتم إجبارهم على مفارقة أسرهم، وإرسالهم في اتجاه مدارس ذات نظام داخلي في الشمال الجزائري، ما يجعلهم يعيشون بأعطاب نفسية وتربوية عميقة. تنضاف إلى كل ذلك ظروف العيش المزرية التي يعيش في ظلها الصحراويون بالمخيمات، بأرقام مهولة من المصابين بفقر الدم من النساء والرضع بسبب سوء التغذية وغياب برامج تتبع صحة الأم والطفل، وانتفاء شروط السلامة التي تضمن الولوج لخدمات اجتماعية تصون كرامة الإنسان. هما مساران متنافران في الرؤية والهدف والعمق الإنساني، تولد إثرهما عالمان متناقضان بشكل صارخ. الأول جنوب المغرب، حيث النماء والانفتاح والانطلاق نحو أفق يؤمن بحقوق الإنسان ويتمثلها في كل فعل ومبادرة، والثاني على أرض لحمادة جنوب غرب الجزائر، حيث اليأس والبؤس وانسداد الأفق، حيث تنتهك الحقوق، وحيث سياط الجلاد تخنق كل صوت يرتفع من أجل كسر حاجز الخوف.