رواد الفن الأمازيغي 8 في سوس، موطن الحضارة والفن، تنبض الحياة بإيقاعات الألحان الأمازيغية العريقة، هذه الأرض، التي كانت عاصمة الفن الأمازيغي، شهدت ولادة أعظم الفنانين الذين نقشوا بأصواتهم وألوانهم تاريخا خالدا في ذاكرة الزمن. في هذه الحلقات، نغوص في عوالم رواد الفن الأمازيغي، نروي قصصهم ونكشف عن أسرار إبداعهم، لتظل سوس منارة للفن والجمال. عبد الجليل شاهي أحمد بيزماون، المولود سنة 1949 في منطقة أيت تامر بإقليم أكادير إداوتنان، يعد من أبرز الفنانين الذين تألقوا في فن الروايس بمنطقة سوس. بدأت مسيرته الفنية في أوائل السبعينات، حيث سجل أول أسطوانة له في 1972، ليبرز اسمه سريعاً في الساحة الفنية ويتسلق سلم النجومية حتى أصبح واحداً من أعمدة هذا الفن الأمازيغي العريق. تميز الرايس أحمد بيزماون بأسلوب غنائي مختلف عن السائد حينذاك. كانت أول أسطوانة له تقدم أغاني بلحن جديد وأداء متميز، مما جعله يبرز عن بقية الروايس مثل عمر واهروش وأحمد أمنتاك. كان الفنان محمد ألبنسير (الدمسيري) رفيق دربه، حيث ساعده في تسجيل أولى أغانيه ورافقه عازفا على آلة الرباب، بينما كان بيزماون يعزف على آلة "لوطار» لم يتوقف الرايس بيزماون عن التجديد والابتكار في مسيرته الفنية. أدخل آلة "طامطام" إلى فن الروايس، وتحديدا إيقاع "تاسكيوين"، مما أضفى بعدا جديدا على هذا الفن. كان تأثره بظاهرة "الغيوان" و"الهيبي" بارزا في أعماله، حيث جلب معه روح التجديد والرومانسية والارتباط بالطبيعة. ارتباط أحمد بيزماون بالطبيعة، لم يكن مصطنعا، فقد جاء إلى الفن من البحر. وكان يشتغل بحارا، وعبر عن عشقه للبحر في العديد من أغانيه. وحتى بعد شهرته، بقي وفيا لمهنته، مغنيا للبحر والطبيعة. عندما ابتعد عن الساحة الفنية، اتخذ مكاناً له بجوار البحر نواحي تيزنيت، حيث كان يقضي ساعات طويلة في مغارة قرب الشاطئ، دليلا على حبه العميق للطبيعة. لم تقتصر إسهامات أحمد بيزماون على فترة نشاطه الأولية، بل عاد بعد غياب دام عشرين عاما، ليحقق نجاحا لافتا بأسطوانة (CD) أصدرها عام 2007. هذا العمل حاز على جائزة أحسن أغنية تقليدية من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ما يؤكد المكانة الراسخة التي احتفظ بها داخل الساحة الفنية الأمازيغية. الرايس أحمد بيزماون لم يكن مجرد فنان، بل كان رمزا للإبداع والتجديد في فن الروايس. كانت مسيرته مليئة بالابتكارات التي أثرت بشكل كبير على هذا الفن، مقدما لونا موسيقيا جديدا وأداء فريدا جعل منه شخصية فنية لا تنسى. رغم رحيله، يظل إرث أحمد بيزماون حيا في الوجدان الأمازيغي والمغربي بشكل عام. إبداعاته الموسيقية وألحانه الرومانسية والأصيلة ستبقى خالدة، مذكرة الأجيال القادمة بواحد من أعظم الروايس، الذين مروا على تاريخ الفن الأمازيغي. ترك رحيله فراغا كبيرا في الساحة الفنية، لكن أعماله ستظل شاهدة على عبقريته وإبداعه، ملهمة الفنانين الشباب لمواصلة مسيرة الفن الأمازيغي الأصيل. انقطع بيزماون عن الغناء سنوات طويلة بعد أن كان في قمة مجده الفني، لأسباب شخصية. وقد قامت مجموعة إمغران سنة 2006 بإعادة إنتاج روائعه القديمة، التي لاقت نجاحا منقطع النظير، كما لو أنها صدرت لأول مرة، مما يدل على بقائه في قلوب الناس رغم غيابه عن الساحة. وكان هذا الحدث من أبرز الأسباب التي جعلت الرايس بيزماون يعود من جديد إلى الغناء. وقد فاز بجائزة الأغنية التقليدية عن ألبومه الذي صدر سنة 2007، والذي يمثل عودة موفقة وباهرة إلى مجال الغناء بعد غياب دام عشرين سنة. وتعكس أشعاره وألحانه في هذا الألبوم الجديد نضجا فنيا كبيرا، حيث أصبح أكثر اهتماما بقضايا الإنسان ومعاناته، كما وصف فيه تجربته في الحياة بشكل مؤثر وعميق. وقد قرر الرايس بيزماون، بعد هذا الفوز، أن يواصل مسيرته الفنية بإصدار أعمال جديدة، كما يفكر في إصدار ديوانه الشعري.