في رحاب المدينة مع "با حسن لعروس" 9 في كتابه "المدينة القديمة بالدار البيضاء.. ذاكرة وتراث" حرص الكاتب المخضرم حسن لعروس، على التأريخ لذاكرة فضاء خبر مجاهله طيلة عقود وارتبط به نفسيا ووجدانيا، ليوثق لنا في هذا الكتاب تاريخ البشر والحجر والأحداث والواقع والشخوص عبر سفر ممتد في ذاكرته الشخصية وما علق بها من مشاهد وصور. عبر هذه الحلقات تأخذكم "الصباح" في عالم "با حسن" وعشقه اللامتناهي لمجال لا تحصره الأسوار المحيطة به إنه "المدينة القديمة". عزيز المجدوب للحدائق العمومية بالمدينة مزايا ومحاسن وغايات أنشئت لأجلها، ذلك أنها فضاء يحج إليه الناس لقضاء سويعات من المتعة والراحة والانشراح والانتعاش بهواء نقي، والاستمتاع بمناظر أخاذة تريح النفس وتسرالناظر بأشجارها الباسقة والمتنوعة الممتدة الأغصان، وأنواع الأزهار والنباتات. على مدى أزيد من قرن من الزمن، لم يكن بالمدينة القديمة سوى ثلاث حدائق صغرى اكبرها ما كان يسمى ب "الحديقة الفرنسية» ثم بعدها بسنوات قليلة سميت «الحديقة العمومية» ثم عرصة" الزرقطوني "حاليا توجد بالشطر الغربي للمدينة، والثانية بشرقها وهي حديقة "سيدي بوسمارة»، والثالثة وهي أصغر الحدائق، توجد وسط المدينة، بساحة الأميرال "فلبير" (ساحة أحمد البيضاوي حاليا)، مساحتها صغيرة ليست لها أهمية كغيرها، وحكاية الحديقة الفرنسية، التي تحمل اليوم اسم الشهيد محمد الزرقطوني، وحسب ما جاء على لسان القدماء، فقد كانت في بداية القرن الماضي، عبارة عن خلاء به أحجار وحفر ونبات، وبعد القصف الذي تعرض له حي التنا كر وما جاوره في حرب الشاوية، كل ضحايا ذلك القصف من المغاربة، رجالا ونساء وأطفالا، دفنوا جماعات وطمروا تحت تراب هذه الحديقة، ومع توالي الأيام،غرسوا أشجارا ونباتات وكل أنواع المغروسات من ورود وأزهار متنوعة، فاعتني بها عناية خاصة، حتى أصبحت في غاية من الجمال والروعة، يحج إليها سكان المدينة كل يوم للاستمتاع بمناظرها واستنشاق أريجها النقي، وجعلوا بين أشجارها وأغراسها طرقا خاصة يسير عليها الزوار ويتجولون بينها، ثم جعلوا لها حارسين بلباسهما المزركش والصفارة لا تفارق فيهما، ولهما بيت للسكنى مؤثث وزيادة على الحراسة، كانوا يقومون بسقي الأشجار والأزهار والنبات والنظافة وتقليم الأغصان وجمع الأوراق الساقطة، وأحاطوها بسور وعلو مترين، أعمدته منفرجة لترى من الخارج ما بداخلها، كما جعلوا لها ثلاثة أبواب. و على الجهة الشرقية يطل ضريح سيدي علال القرواني، وباب غربي يطل على الثكنات العسكرية الفرنسية، والباب الثالث بحجم صغير يطل على شارع الموحدين ومقر حزب الاستقلال حاليا، كان بعض الشباب أحيانا يلعبون الكرة وسط ساحتها الخالية من المغروسات، والأهداف كانت هي الأشجار،والأطفال يجدون راحتهم ومتعتهم باللعب بالخذروف أو كويرات "البيّ" في زوايا الحديقة ولا من يعكر صفوهم، كما كانت الحديقة مرتعا وقبلة وملتقى لبعض المراهقين والشباب من كلا الجنسين، يحجون إليها بين الحين والحين وليس في قلوبهم ولا عقولهم سوى أن يظفر كل طرف بنظرة او ابتسامة من حبيب يحبه من بعيد وبقلب طاهر ليخفق له قلبه خفقانا وتلك قمة المبتغى، لم نسمع أو نرى ولو حادثة واحدة وقعت، الكل ينعم بالراحة والطهر والأمان، كان هذا في وقت تحمل فيه الحديقة اسم"عرصة "فرانسيس"، واليوم تحمل اسم أكبر رمز من رموز المقاومة وأحد أبناء المدينة القديمة البررة وهو الشهيد محمد الزرقطوني.