في رحاب المدينة مع "با حسن لعروس" 6 في كتابه "المدينة القديمة بالدار البيضاء.. ذاكرة وتراث" حرص الكاتب المخضرم حسن لعروس، على التأريخ لذاكرة فضاء خبر مجاهله طيلة عقود وارتبط به نفسيا ووجدانيا، ليوثق لنا في هذا الكتاب تاريخ البشر والحجر والأحداث والواقع والشخوص عبر سفر ممتد في ذاكرته الشخصية وما علق بها من مشاهد وصور. عبر هذه الحلقات تأخذكم "الصباح" في عالم "با حسن" وعشقه اللامتناهي لمجال لا تحصره الأسوار المحيطة به إنه "المدينة القديمة". عزيز المجدوب لم تكن المدينة القديمة، إلى نهاية العقد الثاني من القرن الماضي، تتوفر على مدارس للتعليم العصري بالشكل المتعارف عليه اليوم، بل كانت هناك عدة كتاتيب لتلقين القرآن الكريم وحفظه، وكانت هذه الكتاتيب تتكون من دكاكين صغيرة، تعرف بالجامع، ويطلقـون عليها اسم "لمسيد" يشرف عليها ويسيرها فقهاء تقليديون قساة لا يعرفون من طرق التلقين والتواصل مع الطلبة سوى لغة "الفلقة"، وما كان يشنف أسماع الفقهاء من قبل آباء الأطفال هي كلمة، "أنت اذبح وأنا نسلخ". وأعتقد أن هذه العبارة، كانت مفتعلة ينطق بها الأب أمام الفقيه كي يسمعها الطالب (وهذا هو الاسم الذي كان يطلق عليه) ويبتعد عن اللهو واللعب، ليقضي كل أوقاته لا يفارق اللوحة حتى يحفظ ما كتب عليها، كان الفقيه محترما معززا، فزيادة على أجرته الشهرية لابد له من أجرة إضافية، كل يوم أربعاء، تسمى لاربعية، وكانت أدوات القراءة هي :اللوحة الخشبية الملساء، و"لقلم" والسمق، والكراك، والصلصال، والمحايه، وأشعة الشمس تعرض عليها اللوحة بعد محوها وطليها بالصلصال، لتصبح يابسة في أقرب وقت تهييئا لإعادة الكتابة عليها. وما عرفته بالأحياء القريبة مني، ثلاثة كتاتيب، أولهـا جامع "السي الميلودي" بالساحة الشرقية لعرصة الزرقطوني وكان فقيها لامعا ومحترما، يساعده رجل معطوب الذراع والركبة، يسير منحنيا يسمى "السي حمادي" وأكبر الطلبة كان شابا قد تجاوز "السلكة"، يعني أتم حفظ ستين حزبا، وأعاده، يسمى"بوشعيب لكبير"،ويعد كعارف أو مساعد أوعون للفقيه، ثم جامع الفقيه "الدكالي"،ومقره ساحة الكورارة زنقة التناكر أول عمارة على يسارك وأنت متوجه إلى درب العميين، وله بابان مختلفان جاء على شكل "شوكة"، كان هذا الفقيه بدينا وله لحية ممتدة كثيفة، ودائما عبوسا قاسيا. التحقت بعدها بكتاب قريب من المنزل، يسمى جامع الفقيه لعرج، لحد اليوم لا أعرف له اسما غير هذا، لأن الكل كان يناديه في غيبته بالأعرج اذ كان معطوب الرجل، والملفت للنظر هو أن عدة فقهاء أو مساعديهم كانت بهم عاهات إما بأيديهم أو أرجلهم، هذا الفقيه كان هادئ الطبع، إلا أن عقابه للطفل، كان من نوع آخر، إذ ينادي على الطفل المشاغب، أو الكسول ويأمره بالجلوس قبالته، ثم يأخذ مؤخر "لقلم" المصنوع من القصب، ويضعه بين سبابة وإبهام راحته، ويشد به حلق الطفل، ويضغط بأحكام با صبعيه على الجلد ويجره إليه فيحدث ألما للطفل ثم يعاجله بصفعة، ويأمره بأن يعود إلى مكانه دون فلقة ولا "تحمال" و"التحمال" هو أن يأمر الفقيه طفلا قويا بحمل الطفل المرادعقابه وبطنه ملتصق بظهر الطفل القوي، وذراع الحامل اليمنى تكبل رجلي المعاقب، على أن الذراع اليسرى توثقه من عنقه، ويشرع الفقيه بإنزال العصا على القدمين، وأول ما كان يلقنه الفقيه لطلابه هي : الحروف المنقطة وغيرالمنقطة مثلا : "الليف ما ينقط، الباء نقطة من التحت، التاء زوج من الفوق، الثاء ثلاثا من الفوق، الجيم نقطة من التحت، الحاء ما تنقط، الخاء نقطة من الفوق. وهكذا حتى يأتي على كل الحروف، ثم يكتب جملة بحروف منقوطة ومتقطعة، ويأمر الطلاب بإعادتها مشتركة وملتصقة، كي يتعلموا الكتابة بسطور مستقيمة دون اعوجاج،وهذه العملية تسمى"التحناش". أما الفرحة كل الفرحة والابتهاج، هي أن ينهي الطالب حفظ ستين حزبا، ويبدأ الاحتفال والزغاريد والاعتناء به في لباسه وأكله وشربه، والطواف به داخل الحي وأزقته ينشدون مرددين،"طالب طالب يايو، أفرحات أمو وباه"، أو "مولانا مولانا لا تقطع رجانا آجميلا كوع كوع، فين غادا بيا لبلاد الشاويا لفقيه حالف عليا يقطع لي رجليا" أما العزة والفخر فيعودان للفقيه، و"التخريجة" هي أن ينهي الطفل حفظ حزب لينتقل إلى آخر، والسلكة، هي أن ينهي الطالب حفظ ستين حزبا بالكامل، وإعادتها مرارا، حيث لا شيء غير القرآن الكريم.