مجتمع

فوضى ونصب أمام مديرية الضرائب بالرباط

المئات توافدوا على المؤسسة في يوم واحد وبعضهم دخلوا في شجار وملاسنات

 

الساعة تشير إلى الثانية والنصف من زوال الاثنين الماضي، حركة دؤوبة، لم يألفها رواد الزقاق الواقع بحي ديور الجامع بالرباط، حيث مقر المديرية العامة للضرائب، تتسارع الخطى، والوجهة واحدة، شبابيك المديرية العامة للضرائب،

قصد أداء الضريبة السنوية. «هاد الزحام عمرو ما كان، آش بيني وبين شي طوموبيل كاع»، تقول امرأة ثلاثينية ممازحة رفيقتها، دون أن ترفع عينيها عن جموع المتجمهرين أمام مدخل المديرية، الذي يتحول بين الفينة والأخرى إلى حلبة صراع، تعلو فيها أصوات الوافدين على المؤسسة المالية، يؤكد الأول أنه وصل قبل الثاني وهو بالتالي الأحق بالدخول، ويقسم الآخر أنه كان قبله ويبحث عن شاهد أو شاهدة يؤكد كلامه، فيما البقية تتعالى أصواتها مطالبة بتجاوز الخلاف.

إنجاز: هجر المغلي (تصوير عبد المجيد بزيوات)

 

في خضم، هذه الفوضى والجلبة، يتجمهر أيضا أمام بناية المديرية، زوار من نوع خاص، يضطر المواطنون الراغبون في أداء ما على ذمتهم من ضرائب، مرغمين، إلى تحمل تطفل «جماعة السماسرية» الذين يتربصون بهم، أمتارا قليلة على مختلف مداخل البناية الزجاجية، فما إن تلج الزقاق الذي توجد به المؤسسة المالية،

راجلا كنت أو داخل سيارتك الخاصة أو سيارة أجرة صغيرة حتى يتسابق نحوك رجال «غلاظ» مبادرين للسؤال «إيسانس ولا مازوط؟»، لينطلق مسلسل التفاوض، سيما إن كان الوافد على المديرية رجلا مسنا أو امرأة،  فهذا يزعم أن يده طويلة وبإمكانه تقديم موعد الأداء، حسب المبلغ المالي الذي يبدي الراغب في ذلك استعداده لتقديمه، فيما آخر يؤكد أنه في أتم الاستعداد لتحمل مشاق الانتظار، ودفع ما على «زبونه» من ضرائب، فليس على الأخير إلا تسليمه المبلغ المطلوب بالإضافة إلى «حلاوة»، يفوض للمعني بالأمر الحق في تقديرها، مرددا «حنا غير كانعاونو بعضياتنا».
وحتى وإن كان البعض لا يجد ضيرا من الاستعانة بخدمات هذه الفئة، مقابل مبلغ مالي لا يتعدى 50 درهما، فآخرون لا يخفون أنهم تعرضوا للنصب والاحتيال، من قبل أشخاص جردوهم من أموالهم واختفوا «كنت كانتسنى نجي لهنا ويقولولنا نقصات الضريبة، ساعا ولينا هنا كانتسرقو»، تحكي امرأة لجارها في الصف الذي انتظما فيه لأداء ضريبة السيارات، تحكي له كيف أنها حضرت، الأسبوع الماضي، لأداء الضريبة، فإذا برجل «بعقلو» يقترب منها ويعرض خدماته لمساعدتها «قالي عطيني نخلصليك، بلا ما تبقاي واقفة، وأنا تيقتو وعطيتو الوراق، وسبع آلاف ريال، رجع لي الوراق، وقالي هاهوما غادي يعطيوك الوريقة ديالك، ومشا من داك الساعة ماشفتو، وهانا دابا رجعت نخلص ثاني».     
تقترب المرأتان بحذر، تسأل أحد الواقفين ما إن كان الجميع يرغب في أداء ضريبة السيارات، فيرد عليها، بالنفي، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بدفع ضريبة الشركات، ويشير عليهما بالتوجه إلى المدخل المحاذي، حيث علقت لافتة بالكاد تظهر للعيان، تشير إلى أن الطابق الثالث من البناية هو المخصص لأداء ضريبة السيارات.

900 مواطن في صبيحة الاثنين
يستمر الصراخ والصراع أمام مدخل المديرية، صراع فقط من أجل الدخول إلى داخل البناية، التي غدت، الاثنين الماضي بمثابة بر الخلاص الذي يمكن ولجه من الحصول على رقم يخول لصاحبه أداء ضريبة الشركات، حيث ينطلق مسلسل آخر من المشاحنات والتدافع قصد الأداء. «صبيحة هذا اليوم (الاثنين)، بلغ عدد الحاصلين على الأرقام، التي تخول لهم الانخراط في لائحة الأداء لذلك اليوم، 900 مواطن، بحلول الساعة الثانية عشرة، هؤلاء حصلوا على أرقامهم الخاصة، أي أنهم ضمنوا مكانا لهم في لائحة الانتظار، وهم مازالوا يتوافدون إلى حدود الساعة (الساعة تشير إلى الثالثة زوالا حينها)، علما أنه تمكن فقط 75 منهم من أداء الضريبة»، تقول شابة كانت أوفر حظا لأنها تمكنت من أداء ضريبة مقاولة صغيرة تعمل بها، تشرح محدثتنا التي عابت استمرار العمل بتقنيات تعتبر أنها صارت متجاوزة في ظل التقدم التكنولوجي والإمكانيات التي يتيحها الأداء الإلكتروني الذي قالت إنه يمكن أن يكون حلا ناجعا لتجاوز هذا الازدحام، مبرزة أن سبب هذا الاكتظاظ، كون يوم الاثنين الماضي، آخر أجل لأداء الضريبة على الشركات، ذلك أن القاعدة العامة تقول إن الضريبة على الشركات تؤدى عن السنة المحاسبية الجارية في أربع دفعات مقدمة عن الحساب تساوي كل واحدة منها 25 في المائة من مبلغ الضريبة المستحقة عن آخر سنة مختتمة، وتقوم الشركة تلقائيا بأداء هذه الدفعات المقدمة عن الحساب إلى قابض إدارة الضرائب التابع إليه مقرها أو مؤسستها الرئيسية في المغرب، وذلك قبل انقضاء الشهر الثالث والسادس والتاسع والثاني عشر من تاريخ افتتاح السنة المحاسبية الجارية. وفيما ترتفع أصوات المواطنين الذين تمكنوا من دخول البناية، وتزداد حدة تدافعهم لدرجة التصاق أجساد بعضهم بالبعض الآخر، متكدسين أمام شبابيك المديرية الأربعة خوفا من انتهاء فترة الدوام دون أن يتمكنوا من أداء ما عليهم، خرج قابض المديرية، بعد أن أمر القائمين على الشبابيك بإغلاقها إلى أن ينتظم المعنيون بالأداء في أربعة صفوف، ويلتزموا النظام إن هم أرادوا استمرار عمل الشبابيك، الأمر الذي تم بمشقة الأنفس، ولم يخل من انحرافات، عمل القابض على تصحيحها في كل مرة.    
توضح الشابة أن سبب الاكتظاظ المسجل في ذلك اليوم يكمن في أنه اليوم الأخير لأداء الضريبة على أرباح الشركات، التي تصل إلى 30 في المائة من الأرباح التي تحققها الشركة، «إن وجدت، وإلا فالحاضرون مجبرون بأداء 500 درهم فقط، أما إن لم يتمكنوا من الأداء اليوم، فهناك غرامة ستفرض عليهم بدءا من اليوم الموالي».

إقبال متوسط على الشبابيك

عكس الطابق الأول من المديرية ومدخلها اللذين تحولا إلى ساحة للتجمهر والتدافع، كان الطابق الثالث بالبناية ذاتها أكثر هدوءا، إذ عرفت شبابيك مديرية الضرائب بديور الجامع، الخاصة بتحصيل الضرائب على العربات بمختلف أنواعها، إقبالا متوسطا، ذلك أن القانون يمنح لكافة مالكي العربات مهلة شهر يناير كاملة لأداء واجبات ضريبة السنة التي قبله. «حضرت تفاديا للازدحام الذي يقع في الأسبوع الأخير من شهر يناير، فلو حضرتم بعد أسبوع، أكيد لن تجدوا هذا العدد المتوسط، وقد يتكرر المشهد الذي يعيشه الطابق الأول»، يقول رجل خمسيني اصطف أمام الشباك الذي أرشده إليه عون بالمديرية، يستقبل كل وافد للطابق ويسأل عن قيمة الضريبة المفروضة عليه، وما إن كانت بنزينا أو كازوال، ليدله إلى الشباك الملائم، فتمر الأمور بسلاسة، وإن كان الوافدون على الشباك الخاص بتحصيل الضريبة عن «سيارات الكازوال»، أكبر عددا من نظرائهم الذين يملكون سيارات بمحركات البنزين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق