حوار

تحرير قطاع الصحة خطأ جسيم

العلوي المنتظر الكاتب العام للنقابة المستقلة لأطباء القطاع العام قال إن الوردي أغرق الوزارة بـ”رفاق” الحزب

أكد العلوي المنتظر، الكاتب العام الوطني للنقابة المستقلة لأطباء القطاع العام، أن السبب الحقيقي في تردي المنظومة الصحية، يرجع إلى غياب إرادة سياسية حقيقية قطاعية وحكومية لمعالجة نقائصها. وقال المنتظر إن تحميل الطبيب وحده المسؤولية يعتبر حلقة جديدة في مسلسل التشويه والمغالطات، مبرزا في الوقت نفسه أن تحرير رأس مال المصحات في وجه المستثمرين غير الأطباء ليس من الأولويات. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: يوسف الساكت (تصوير: العلوي لمراني)

متهمون، حتى يثبت الوزير العكس، بقتل الأمهات والأطفال بسبب غياباتكم المتكررة عن العمل؟ كيف تدافعون عن أنفسكم؟
 هذه مغالطة من مغالطات الوزير المحترم، لأنه يعرف، كما يعرف الجميع، أن السبب الحقيقي في تردي المنظومة الصحية، يرجع إلى غياب إرادة سياسية حقيقية قطاعية وحكومية لمعالجة نواقصها، بما يمكنها من ضمان ولوج تام ومجاني للخدمات الصحية لكل المواطنين.
نسائل السيد الوزير من هذا المنبر عن الإجراءات التي قام بها منذ ثلاث سنوات  لتفعيل مقتضيات التغطية الصحية في إطار المساعدة الطبية خصوصا المادة 129 من مدونة 65.00 التي تعطي تمويلا في قانون المالية من خارج ميزانية الصحة وليس من داخلها (مآل ومصير الميزانية المخصصة لهذا المجال والمقدرة ب 2.7 مليار درهم)..

 لكن ألا يوجد، فعلا، بين الأطباء من يتغيب عن عمله؟
 صحيح، هناك استثناءات لا ننكرها ولا نتستر عليها، وهي حالات يمكن أن تشمل جميع القطاعات والمهن، لكن أن يعتبر الوزير أن الطبيب حصريا هو سبب التردي، فهذا مجانب للصواب، ويراد به إكمال مسلسل تشويه صورة الطبيب. ووضحنا سابقا أن الأطباء لا يشكلون إلا أحد مكونات النظام الصحي، بينما المشكل أعمق ويرتبط بأعطاب هيكلية للمنظومة الحالية.

 من الإنصاف أيضا ألا نحمل الوزير الحالي وحده عبء السياسات المتعبة في القطاع منذ عقود؟
 (…..)، بالفعل، نحن نربأ بأنفسنا عن هذا التوجه غير المنصف، ونضع الأمور في سياقها، لكن في الوقت نفسه، نؤكد أن المسؤول الحالي خضع للمنطق والمعايير نفسها في التعيين في مناصب المسؤولية سواء على المستوى المركزي أو المحلي، وهي معايير لم تخرج عن قاعدة العلاقات الحزبية.

 هل تتوفرون على أدلة عن هذا “الاتهام”؟
 دعنا بعيدا عن لعبة الأسماء والصفات. فالجميع يعرف أن مواصفات انتقاء بعض الأطر في الوزارة هي بعيدة كل البعد عن مبدأ الإطار المناسب في المكان، أو المهمة المناسبة بناء على معايير الكفاءة والتجربة والنزاهة والاستقامة، ما ظهر جليا خلال سلسلة الإعفاءات الأخيرة التي قامت بها الوزارة وروج لها على أنها تدخل في إطار محاربة الفساد.
كما أن المستشفيات في غياب الموارد المالية والاستثمار الكافيين غير قادرة على مواكبة التغيرات الديمغرافية والوبائية والتكنولوجية، رغم نهج الوزارة لإستراتيجية إصلاح المستشفيات إداريا عبر تكريس مبدأ الاستقلالية من خلال تطبيق نظام مصالح الدولة المسيرة بكيفية مستقلة وعبر إنجاز مشروع المؤسسات الاستشفائية لم يرافقها تحديث وتطوير لهذه المستشفيات، بل تراجعت جودة الخدمات المقدمة في ظل ارتفاع الطلب على العلاج، كما أن الموارد البشرية بالقطاع تعرف صعوبات كثيرة خاصة من ناحية العدد، إذ هناك خصاص مهول في الموارد البشرية القادرة على تقديم الخدمات الصحية وهي نقطة يتحدث عليها الجميع دون الإشارة إلى التضحيات التي تقدمها هذه الموارد البشرية، وهذا الخصاص يزداد حدة عندما تتوسع البنيات الاستشفائية الكفيلة بتغطية طلبات العلاج المتزايدة.

 في جميع بلاغاتكم وتصريحاتكم الصحافية، ترسمون صورة سوداء عن القطاع الصحي بالمغرب، هل الوضعية بهذا السوء؟
 نظامنا الصحي يتكون من قطاعين أساسيين، قطاع عام وقطاع خاص.
بالنسبة إلى قطاع العام، أصبح ينذر بالكارثة، إذ أنه أصبح غير قادر على توفير الخدمات الصحية بشكل متساو حسب المناطق وبالجودة التي تفرضها المنظمة العالمية للصحة، والتي يقرها الدستور، وغير قادر كذلك على مواكبة النمو الديموغرافي والتغييرات الوبائية.
وأمام النقص الحاد في الموارد البشرية وضعف التجهيزات والمعدات، أصبحت المؤسسات الصحية غير قادرة على توفير الخدمات الصحية بشكل صحيح وكاف وأصبحت ظروف العمل تحط من كرامة المريض والعاملين بالقطاع على حد سواء.
أما بالنسبة إلى القطاع الخاص، فهو قطاع في نمو وتطور مستمرين، رغم غياب أي تحفيزات لأطبائه، إلا أنه لا تستفيد منه كل شرائح المجتمع المغربي، نظرا لعدم شمولية التغطية الصحية وضعف الدخل المادي للمواطن، وكذلك غياب شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص .
من هذا المنطلق، يتبين أن السياسة الصحية تحتاج إلى ترتيب الأولويات عبر تأهيل المستشفى العمومي والجامعي وتشجيع القطاع الخاص عبر تحفيز الأطباء المغاربة في الداخل والخارج، من أجل تطوير هذا القطاع وجعله يساهم بشكل فعال في تحسن الصحة العامة.

 بهذا المعنى قد يكون الحل هو تحرير القطاع كما يدافع الوزير عن ذلك؟
 لا بالطبع، فتحرير رأس مال المصحات في وجه المستثمرين غير الأطباء فهو ليس حلا وليس من الأولويات، بل إن الدراسات بينت فشل هذه التجربة في الدول التي حررت رأس مال المصحات، كما أنه ليس من المنطقي أن يصبح الحق في الصحة المكفول دستوريا خاضعا للمنطق التجاري وتجاذبات السوق، إذ أن التطبيب في المغرب سوف يمشي بثلاث سرعات: المستشفى العمومي لذوي المساعدة الطبية، المصحات الحالية لذوي التغطية الصحية الإجبارية والمصحات، أو الأحرى المحطات الاستشفائية التجارية للأغنياء والأجانب في إطار السياحة الطبية، بمعنى آخر تقسيم المواطن المغربي على مستوى الحق في الصحة إلى ثلاث درجات وهذا يعتبر خرقا دستوريا كبيرا وضربا لأحد الحقوق الأساسية للإنسان .

 طيب، هذا كله نقاش مهم حول منظومة الصحة كان يمكن أن يظل حبيس جلسات الحوار والتفاوض، وألا يتحول إلى فضائح وصور على صفحات المواقع الاجتماعية؟
 إن النقابة كانت دائما تعبر عن آرائها في السياسة الصحية إعلاميا، الجديد هذه المرة هو أن المكون الطبي العمومي أبدع واختار التعبير الإعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تنويرا للرأي العام عن المسكوت عنه، وحتى يعرف المغاربة الوضعية المزرية للمرفق الصحي وللمستشفيات التي تنظم لها كل سنة مباراة الجودة (عن أي جودة يتحدثون) كما أن نقطة ضعف بعض المسيرين هو تلميع صورهم الإعلامية على حساب الرأسمال البشري والإمكانيات الحقيقية . أما الحوار، فقد تحول، منذ تعيين الحكومة الحالية، إلى حوار للصم، وربح الوقت ليس إلا.
 
 خارج لغة الانتقادات والتشخيص، هل لديكم تصور واضح أو حلول للنهوض بالقطاع؟
 نعتبر أن السياسات الصحية يجب أن تكون لها مقاربة شمولية ومندمجة للإشكالية الصحية تأخذ بعين الاعتبار محددات الفوارق الاجتماعية للصحة وتسعى إلى بناء سياسة صحية وطنية مندمجة واضحة الأهداف والوسائل والآليات.  نقولها دون مواربة يجب رفع الاستثمار في القطاع الصحي العمومي ليشكل القاطرة التي سيبنى عليها أساس نظام صحي عصري يواكب طموحات دستور 2011، بالإضافة الى تحقيق السلم الاجتماعي وتحسين ظروف الشغيلة الصحية ماديا ومعنويا و إعمال مبادئ الحكامة الجيدة.
كما أن المعركة اعتبرناها معركة رد الاعتبار والدفاع عن ظروف إنسانية علمية  يعالج فيها المواطن وليس لنا أي هدف لجني مكتسبات رغم ملحاحية ملفنا المطلبي، وإهماله مند سنوات، علما أن نقابتنا قادت معارك في السنوات السابقة ورفضت التوقيع على اتفاقات عرفت منذ البداية أنها لن تطبق، وبالتالي لسنا من المهرولين لتحقيق مكاسب على حساب صحة المواطن.

لجان الوزير… تطاول على الدستور

 طالبتم البرلمان والفرق النيابية بتكوين لجنة لتقصي الحقائق في المستشفيات، ما استجاب له عمليا وزير الصحة، الذي بعث عددا من اللجان إلى المؤسسات المعنية، هل يعتبر ذلك كافيا؟
 طــالبنا بتطبيــق المــادة 67 مــن الدستــور بتكــوين لجنــة تقصــي الحقــائق أمام هــول الكارثة، أما اللجــان التي كــــونها الوزيــــر، فهــي تطــاول على الدستــور، لأن الــوزيــر يعتبــر طـــرفا ومســؤولا سيــاسيا وإداريا عــن هــذه الاختــلالات، ولا يجــب أن ينصــب نفسه طــرفــا وحكما في الوقــت نفســــه، لــذا نطــالب باحترام الدستور وتفعيــل المادة 67 وتوقيف لجان الوزير المسؤول عن هذه الكارثة الوطنية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق