ملف الصباح

محاكمات الظرفية السياسية

جلال الطاهر المحامي بهيأة البيضاء قال إن عدم الجدية في الاسترجاع يشجع على الاستمرار في انتهاك حرمة المال العام

يرى جلال الطاهر المحامي بهيأة البيضاء أن توقف الإجراءات في بعض محاكمات المال العام يرجع  إلى أن بعض المتهمين في هذه القضايا لهم مكانة أو نفوذ، أو يحميهم ذوو النفوذ. وأكد في حوار مع “الصباح” أن النبش في هذه القضايا غايته تجاوز الواقع الاجتماعي المتميز بالمد والجزر، وإلهاء الرأي العام، بدليل أن المدانين فيها يتمتعون بعد مدة بالعفو، والأموال المحكوم عليهم بها، يقع صرف النظر عن استرجاعها من قبل مؤسسات الدولة.

بين الفينة والأخرى تظهر محاكمات بشأن تبديد المال، إلا أن الملاحظ أنها لا تفي بالغرض، بماذا تفسرون ذلك؟
لابد من التذكير أنه بعد سنوات الاستقلال الأولى، أنشأ المغرب في تنظيمه القضائي، محكمة، سميت المحكمة الخاصة للعدل وذلك سنة 1965، والتي نظرت في جرائم ذات طبيعة مالية وسياسية همت مجموعة من الوزراء بلغ عددهم ثمانية سنة1971، بناء على تقرير نسب إليهم – كل في نطاق اختصاصه – تلاعبات في ممارسة وظائفهم الوزارية، مقابل إغراءات مالية، وصدرت في حقهم عقوبات سجنية بسنوات، إلا أنه بعد مدة وجيزة، صدر في حقهم عفو ورد اعتبارهم، وكانت هذه أولى القضايا الكبرى، التي عرضت على هذه المحكمة المختصة، في قضايا الانحراف الوظيفي، ماليا وسياسيا.
والغالب أن المحاكمات من هذا النوع، تغلب عليها الظرفية السياسية، أو الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وغالبا ما تكون غايتها صرف الأنظار عن هذه الأوضاع الظرفية، وشغل العامة بهذه المحاكمات، حتى يتم تجاوز الأسباب الطارئة التي دعت إلى عقد هذه المحاكمات، وبذلك يكون النبش في هذه القضايا غايته تجاوز الواقع الاجتماعي المتميز بالمد والجزر، وبصفة عامة يكون الدافع لهذه المحاكمات، هو إلهاء الرأي العام، بدليل أن المدانين فيها يتمتعون بعد مدة بالعفو، والأموال المحكوم عليهم بها، يقع صرف النظر عن استرجاعها من قبل مؤسسات الدولة، وقد يعتبر هذا التفريط تبديدا “رسميا” جديدا للمال العام!

 منذ محكمة العدل الخاصة لم تستطع الدولة استرجاع إلا حوالي 4 ملايير من مبالغ مهمة كانت مبددة، ما السبب في ذلك؟
 عدم استرجاع الأموال التي قضت المحكمة الخاصة للعدل باسترجاعها طيلة الفترة الممتدة بين 1965 تاريخ إنشائها، وتاريخ إلغائها سنة 2004 التي بلغت 255 مليار درهم، وهي مبالغ تصل إلى عشرات الملايير، دليل على عدم الجدية، وغياب الحرص على استرجاع هذه الأموال، وتهاون المؤسسات الرسمية المنشأة لهذه الغاية، وفي مقدمتها وزارة المالية، والعدل، والوكيل القضائي، ولعل في هذا التفريط ما يشجع على الاستمرار في انتهاك حرمة المال العام، مادام صدور الأحكام لا يؤدي إلى استرجاعه من يد من بدده، ولو صدرت أحكام قضائية نهائية بذلك، لأن “المال السايب يعلم السرقة “كما يقال.
< في نظركم من خلال الممارسة والمرافعة في قضايا المال العام أين يكمن الخلل؟
< لا بد من استحضار أن ما اصطلح عليه بقضايا تبديد المال العام، هي قضايا معقدة لتعدد المتهمين فيها في غالب الأحيان، ولضخامة الأموال المبددة، ولكثرة الوثائق المحررة في مثل هذه القضايا التي تصل إلى الآلاف، ومحررة من طرف تخصصات مختلفة، مالية، ومحاسبية، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فإن هذه القضايا تتطلب شرطة قضائية، وقضاة، لهم تكوين مالي متخصص، بغاية إنجاز محاضر تستنطق الوثائق المالية، والمحاسبية بطريقة علمية واحترافية، وفي ذلك مساعدة وتسهيل وتوضيح الرؤية لقضاة النيابة العامة، قصد تمكينهم من القراءة الصحيحة للأفعال، والوثائق، والتصرفات، بغاية إلباسها النصوص القانونية التي على مقاس هذه المخالفات المالية، التي تشكل فعل التبديد، حتى تكون عناصر المتابعة والمطالبة بالتحقيق واضحة، ويتمكن بعدها قاضي التحقيق من وضوح المسالك التي عليه أن يستنطقها في القضية، والوثائق، والخبرات التي يرى إجراءها عند الضرورة، لتوضيح أي التباس، أو كشف، أوغموض، ثم يقرر بعد هذا، الإحالة على المحاكم للبت.
وبذلك تجد المحاكم، التي تحال عليها قضايا المال العام، كل العناصر الضرورية، من وقائع، ووثائق، وخبرات، وتحقيق خطوط – إن كان لازما – وبذلك تكون كل مرحلة من المراحل التي تمر منها هذه القضايا – المعقدة نسبيا – قد شكلت قيمة مضافة بالنسبة إلى المرحلة التي سبقتها، فيصدر الحكم وقد بني على تكامل كل عناصر المحاكمة العادلة.

 لماذا تطول هذه المحاكمة في قضايا المال العام؟
< نعم، إن ما يطبع هذه القضايا، هو طول إجراءات البت أمام قضاء الموضوع، حيث إن قضايا أحيلت على مختلف المحاكم، بعد إلغاء المحكمة الخاصة للعدل سنة 2004، مازال بعضها رائجا رغم مرور عشر سنوات تقريبا، على إحالتها على هذه المحاكم، ولعل سبب هذه الطول، يعود لأسباب سبقت الإشارة إليها آنفا، أن محكمة الموضوع، أحيانا لا تجد كل العناصر والمعطيات، التي تسمح لها بالبت في زمن معقول، على اعتبار أن مرحلة الشرطة القضائية، أو مرحلة التحقيق، لم تشمل كل جوانب القضية التي عرضت عليها، بسبب سخونة بعض القضايا وضغط الرأي العام، وحتى تأثير وسائل الإعلام أحيانا، وبذلك يصبح استكمال وتدارك النقصان في جانب من جوانب القضية، موضوعا على محكمة الموضوع، أي أنها تقوم باستكمال جوانب النقص، في أبحاث وتحريات الشرطة القضائية، أو معالجة النقائص، وغياب الوثائق، التي تقع على عاتق قضاء التحقيق.
ويضاف إلى ذلك، أن هذه القضايا، لا يجرى البحث فيها إلا بعد مرور سنين على ارتكاب المخالفات القانونية، وتقلب مسؤولين متعددين على الوظيفة نفسها، موضوع البحث، منهم من تقاعد، ومنهم من غادر الحياة، كما أن بعض الوثائق التي لها علاقة بالأفعال المجرمة، قد دخلت دهاليز ورفوف المحفوظات، وقد تصبح هذه الوثائق هي نفسها مبددة!
أجرت الحوار: كريمة مصلي

بوكس

متهمون نافذون

تتوقف الإجراءات زمنا طويلا في بعض القضايا يرجع – في نظري – إلى أن بعض المتهمين في هذه القضايا لهم مكانة أو نفوذ، أو يحميهم ذوو النفوذ، حيث لا يستجيبون لاستدعاءات المؤسسات القضائية ، ويلجؤون إلى شتى الوسائل، كالفرار خارج أرض الوطن، كما وقع في قضيتي: المطاحن ، و”التجاري وفا بنك”، ويبقى ملف القضية معلقا حتى تتم تسوية القضية بالوسائل ” غير القضائية ” المعروفة .
وقد يقع أكثر من ذلك، كما هو واقع في قضية القرض العقاري والسياحي ، الذي لا يستجيب مديره السابق إلى حد الساعة لاستدعاءات قاضي التحقيق باستئنافية الدار البيضاء، منذ تمتعه بالسراح المؤقت، لتبقى القضية معلقة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق