ملف الصباح

الباحث يستكمل عمليات الإحصاء بالليل والتعويضات المرصودة هزيلة

غادر عبد الرحيم ربيعي مركز قيادة وتدبير عمليات الإحصاء بمدرسة عبد المجيد بنجلون بحي ليراك بواركان بأكادير، وهو يتأبط محفظته المملوءة بالاستمارات الخاصة بتجميع المعطيات على الساعة العاشرة صباحا، إثر انتهاء اجتماع فريق الباحثين مع المراقب. كان اجتماع الصباح اليومي بحضور جميع الباحثين يهدف مراقبة الأعمال اليومية لكل باحث، للوقوف على جميع الأخطاء المرتكبة، قصد معالجتها في اليوم الموالي.

اختيار باحث ابن الحي خلق الثقة بين الباحث والمستجوب

“الصباح” تتبعت عبد الرحيم ربيعي وهو يتسلل بين دروب وأزقة الحي بحثا عن المساكن التي من المقرر إحصاؤها، وهو يتفحص عناوين المنازل. توقف عبد الرحيم عند مدخل أحد الأزقة المغلقة، ثم بدأ يهندس لانطلاق عمله بتحديد المسكن الأول الذي سيطرق بابه لتجميع المعطيات. طرق باب المسكن الذي اختاره لانطلاقة الصباح دون تباطؤ. وبمجرد رفع يده عن زر جرس الباب حتى أطلت امرأة  فصافحته بحرارة منادية على زوجها الذي التحق بها، فسلم عليه وكأنه يعرفه حق المعرفة، ثم عاد إلى البيت ليخرج منه متوجها إلى عمله تاركا زوجته مع الباحث. طلب منها كرسيا بمدخل البيت رغم إلحاحها عليه بالدخول. بدأ يستجوبها بعدما سحب استمارته من محفظته. سجلت تجاوبا ملحوظا بينهما وهما يتبادلان الحديث.
أنهى عبد الرحيم مهمته الأولى وعلامات الارتياح بادية على وجهه، سر التعامل اللبق والإيجابي للسيدة وزوجها معه، يكمن في اختيار الباحث من الحي الذي يسكنه وينتمي إليه. وهي مقاربة لها، يقول الباحث، عدة منافع وقيمة مضافة لأداء مهام الباحث والمستجْوَبين معه. ولعل أهمها وأساسها يقول الباحث، هو “حصول القابلية والجاهزية لدى المستجْوَبين في التجاوب الإيجابي والفعال مع الباحث. وهذا ما حدد نوعية التواصل بيننا، وما أعفانا جميعا من تلك الأسئلة التمهيدية، إذ بمجرد ما أطرق الباب ويفتحه صاحب أو صاحبة في وجهي حتى يتم الرحيب بي بحرارة وتتم دعوتي للدخول من أجل القيام بالواجب والمهمة التي أسندت إلي”.
وقال الباحث بارتياح “أنا أشتغل في راحة تامة بعيدا عن كل ما كان يٌتداوَل في المقاهي والأوساط الاجتماعية، وما كنا نسمعه ونتخوف منه، إذ كان الناس والجاهلون بالإحصاء ينشرون أخبارا زائفة ومغلوطة”. ارتياح الباحث والمستجوب يساعد على انسياب المعلومات والإجابات بدقة وشفافة أكبر.
أغلب سكان الحي يسألون الباحث عن موعد دورهم لاستجوابهم، مقترحين عليه أن يكون الاستجواب في موعد الغذاء. وهنا أكد الباحث أنه عبأ أغلب الاستمارات داخل مساكن المستجوبين، وليس أمام باب البيوت، مضيفا أن الجيران يساعدونه ويتعاونون معه في عملية الإحصاء، خاصة في ما يتعلق بالمنازل الفارغة موسميا أو على طول السنة وكذا السكان الذين لا يحضرون بيوتهم إلا ليلا لطبيعة عملهم.

المواطن أصبح أكثر وعيا وانخراطا في الإحصاء

تخوف وحيد يظهر على محيا المستجوبين، حسب الباحث نفسه، وهو ذاك المتعلق بملكية أم كراء أم رهن تخوفا من الضرائب. وأقر بأن الفرق بين الاحصاءات السابقة والحالية، هو وعي المواطن الذي أبان بأنه منخرط في العملية وليس هناك تخوف من الإحصاء، حيث يتم التصريح بكل شيء والتعامل بشفافية مع الباحث. كما أن ما يميز استمارة الباحث هو الدقة في الإجابة عن المهنة، بعدما كان الأمر يقتصر على مصطلح تاجر موظف عامل فقط، أصبحت الدقة مطلوبة، حيث يجب توضيح مهنة تاجر (الجملة التقسيط…) وتحديد مهنة موظف في أي قطاع وأي وظيفة.
ومن حيث ما تُدوول حول اللغة الأمازيغية، أكد عبد المجيد، بأنه لم يصادف ولو متعصبا واحدا، خلاف ما تم تداوله عبر المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي عن الأمازيغية، رغم أن سكان الحي أمازيغيون. وفي هذا الإطار قال الباحث “عندما تسألهم عن اللغة التي يتكلمونها، يجيبونك بطلاقة العربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية”، مضيفا “لو كنت عينت بحي آخر لصادفتني عدة مشاكل، أبرزها القابلية والجاهزية التي تحصل لدى المواطن بمجرد رؤيتك تقف على الباب وأنت تحمل شارة الباحث في الإحصاء”.
ومن الملاحظات التي سجلها عبد الرحيم هو العدد الهام للمساكن الفارغة، “إذ يمكن تقدير المعدل العام للمساكن الفارغة بجناح الحي الذي أسندت لي مهمة إحصائه بأزيد من 50 في المائة، فيما قد يكون عددها في الحي برمته حوالي 50 في المائة”. وشدد على أن الباحث يستكمل عمليات الإحصاء بالليل أثناء عودته إلى المنزل، إذ يقوم بترميز تلك المعلومات والمعطيات التي تلقاها طيلة اليوم من المستجوبين، ومن تم فإن التعويضات المرصودة لأعباء عمليات الإحصاء، سواء بالنسبة إلى الباحث أو المراقب تعتبر هزيلة أمام المهام المطلوبة منهم، “نشتغل ليل نهار للقيام بهذا الواجب”.

الحط من كرامة أستاذ الابتدائي… نقطة سوداء

ما أحز في نفسي شخصيا، يقول عبد الرحيم، هو الحط من كرامة أساتذة التعليم الابتدائي أثناء تعيينهم أو تكليفهم وإسناد المهام لهم، مراقبين، وليس باحثين، لاعتبارات خاطئة ومعتقدات متجاوزة من قبل بعض المسؤولين العملية بأكادير. فبعد أن كان مقررا إسناد مهام الباحث للطلبة والمجازين، وتكليف الموظفين بالمراقبة نظرا لما راكموه من تجارب خلال مشاركتهم في الإحصاءات السابقة، تم التعامل بالحيف مع أساتذة التعليم الابتدائي بأكادير، إذ أسندت إليهم مهمة باحث بدل مراقب. وهنا يطرح السؤال، فإذا كان هؤلاء المسؤولون يشكون في مصداقية رجل التعليم الابتدائي، فلماذا أصلا تم استدعاؤه للمشاركة في الإحصاء؟

محمد الإبراهيمي (أكادير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق