حزن وإغماءات وفرح وزغاريد أثناء نطق الأحكام بقاعة الجلسات يوما الأربعاء والخميس بمحكمة الاستئناف بآسفي، ليسا كباقي أيام الأسبوع بهذه البناية المتسعة بآسفي، إذ ترى خلال هاذين اليومين جحافل من المواطنين والمتقاضين، في ساعات باكرة أمام بوابة المحكمة وكأنهم يحرسونها، في حين لا تتوقف حركة سير سيارات نقل السجناء، والسبب هو انعقاد الجلسات الجنائية بغرفتيها الابتدائية والاستئنافية. «جلس تما اَلشريف، راه الدخول حتى 9 ووجد معاك لاكارط والاستدعاء»، يخاطب حارس للأمن الخاص أحد المواطنين الذي يبدو أنه قدم من نقطة بعيدة. يطأطئ الرجل رأسه الذي أخذ منه الشيب مأخذه، ويجلس غير بعيد عن المدخل الرئيسي للمحكمة.غير بعيد عن هناك، تجلس مجموعة من النسوة، تتوسطهن امرأة تبلغ من العمر قرابة الخمسين، تتحدث بصوت مرتفع، وتبدو كواحدة ممن خبرت المحاكم وجالت بأرجائها، تقول مخاطبة امرأة بدوية، حضرت لمعاينة جلسة محاكمة ابنها من أجل السرقة الموصوفة، «شوفي ولدك عندو من عامين حتى لأربع سنين، واخا معندوش سوابق في السرقة، غير شوفي شي محامي ليكون يعرف يدوي مزيان، ولا ملقيتيش أنا موجودة كانعرف واحد المحامية الله يعمرها دار، هي اللي كتنوب على ولد أختي، راه ديما ساكن في الحباسات».لم تتوقف المرأة الخمسينية عن شرح النصوص القانونية، وتوزيع العقوبات السجنية وأحكام البراءة والتخفيف على أسر مجموعة من المتقاضين الذين منهم من وجد فيها الأمل ولو لبضع دقائق قبل أن تفتح المحكمة أبوابها، لولوج قاعتها.مرت الدقائق ثقيلة على أغلب المتقاضين، قبل أن ينهض حارس الأمن الخاص متثاقلا ويفتح أبواب المحكمة، مناديا في جموع المتقاضين «يالله اللي عندو الجلسة يدخل، مالين الجلسات هما الأولين وبالنظام».ولج متقاضون وأسرهم إلى داخل المحكمة، ووجدوا في استقبالهم حراس أمن آخرين، يتأكدون من هوياتهم.وبدا العديد منهم تائها بين ردهات المحكمة، لا يدري أي قاعة يلج إليها، في حين يبحث آخرون عن محامين يترافعون لصالحهم.تجلس امرأة أمام قاعة الجلسات، تنظر قدوم المحامي، وفجأة تقوم بخطى مسرعة، لتستفسره عن مآل طلب السراح الذي تقدم به لابنها، ليجيبها أنه تم رفضه، وأنه سيعيد طلبه من جديد، لتجمع المرأة راحتيها «يارب اطلق سراحو»، وتعود بعد ذلك لتأخذ مكانا لها وسط قاعة الجلسات المكتظة عن آخرها.الساعة تشير إلى التاسعة والربع، يدلف رئيس الجلسة إلى القاعة، فيقوم الجالسون احتراما لهيأة المحكمة، قبل أن يتم افتتاح الجلسة.بين الفينة والأخرى، يطلب رئيس الجلسة من الحاضرين الصمت، ويطلق رجل الأمن الذي يقف وسط القاعة نظره بحثا عن المشوشين، فيسود الصمت، قبل أن تعود الهمهمات من جديد.لا يسمع الكثير من الحضور الحوار الذي يجري بين رئيس الجلسة والمتهمين من جهة والدفاع من جهة أخرى، إلا بصعوبة بالغة، والسبب غياب مكبرات الصوت، إذ رغم المطالبة بهم في العديد من المرات، فإن وزارة العدل والحريات لم تستجب بعد لهذا المطلب الذي عبرت عنه أكثر من فئة.وأثناء سير الجلسة، سيتقدم محام ليطلب تأخير ملفه، بحكم أن موكله الذي يتابع في حالة اعتقال، نسيت العناصر الأمنية إحضاره من السجن، في وقت ظل أفراد من أسرة المعتقل ينادون على المحامي داخل قاعة الجلسة، وهم لا يفهمون تأخير الملف رغم المناداة على المتهم.تستمر جلسة الجنايات الابتدائية التي تعقد يوم الخميس لساعات طويلة، ورغم ذلك يصر العديد من أقارب المتقاضين على البقاء إلى آخر الجلسة.في حدود الساعة الخامسة والنصف، انتهت هيأة الحكم من مناقشة أغلب الملفات وأرجأت أخرى، لتقرر رفع الجلسة للمداولة.حالة من العذاب النفسي، تسيطر على أسر المتقاضين، ويتسرب الملل إلى نفوس الكثيرين، ويرفع آخرون أكف الضراعة لعل الحكم يكون مفرحا لهم، وبعد أزيد من ساعتين من الانتظار، تعود هيأة الحكم لتنطق بأحكامها، إذ بمجرد ما يعلن القاضي عن براءة متهم، حتى ترتفع الزغاريد، وبالمقابل يسقط آخرون مغمى عليهم، بعدما سمعوا أحكام الإدانة، في حين أن آخرين لم يسمعوا أصلا ما نطق به القاضي نتيجة الفوضى التي أصبحت عليها القاعة.. أشخاص فرحون هناك يتغنون بحكم البراءة وآخرين يبكون ومنهم من أغمي عليه، وآخرين ضاع عليهم سماع الحكم، ليتوجه عدد منهم إلى المحامي وآخرون يبحثون عن القاضي أو كاتب الضبط ليطلعهم على حكم المحكمة.محمد العوال (آسفي)