إقبال متنام على الفطائر وشرائح البيتزا و"البغرير" و"المسمن" وأنواع التمور والفواكه الجافة "العين تأكل قبل البطن"، مثل يعرفه الباعة الذين يتوزعون على مداخل ودروب «السويقة»، أو «باب» الحد، بقلب العاصمة الرباط. وسواء كانوا من أصحاب بعض المتاجر والمحلات الصغيرة أو ممن يجرون عربات متنقلة، ويختارون الساحة التي تتوسط «السويقة» ليحطوا الرحال بها ، فإنهم يتقنون عرض منتوجاتهم التي يشرعون في إعدادها منذ الساعات الأولى من الصباح ويتفنون في عرضها بعناية فائقة. منتوجات لا تخلو أي مائدة مغربية من أصناف متعددة منها في مائدة الإفطار، وتسيل لعاب أي صائم مار بمحاذاة السويقة، لا يجد سبيلا في مقاومة اقتنائها. ورغم أنه منذ سنوات خلت، جرت العادة أن تشغل الأمهات والجدات ساعات نهار رمضان، فضلا عن العبادة وأداء فريضة الصلاة، في إعداد ما لذ وطاب من فطائر مغربية أصيلة، من مسمن وبغرير ورزة القاضي وغيرها، تغيرت هذه العادات مع توالي السنوات، وأصبحت جل النساء أول من يتهافت على اقتناء حاجاتهن الغذائية من السوق، «اليوم الحمد لله، كل شيء صار جاهزا، ورغم أن في إعداد تلك «الشهيوات» متعة لا توصف، إلا أن الوقت لا يرحم»، تقول شابة في العشرين من عمرها مضيفة «لهلا يخطي علينا السوق، خاص غير الفلوس».وبالسويقة دائما، غير بعيد عن محلات يبيع أصحابها شتى صنوف الفطائر، ومختلف أنواع «المسمن» و»البغرير» و»رزة القاضي»، ينتظم أصحاب محلات بيع التمور، يحرصون على عرض مختلف الأنواع منها ويتراوح الكيلوغرام الواحد بين 40 و170 درهما، وتعرف رواجا متناميا، طيلة الشهر، إذ ينطلق الإقبال على اقتنائها أياما قبل رمضان، شأنها شأن «الشباكية»، سيدة حلويات رمضان، ومختلف أنواع التوابل التي «لها نكهة خاصة تستدعي اقتناء الجديد منها ولا يمكن إعداد أطباق رمضان دون نكهاتها «، تقول امرأة أربعينية مخاطبة ابنتها الصغرى التي تذمرت من شدة الازدحام، في أول أيام رمضان وطالبتها بالاستغناء عن شراء التوابل ماداموا يتوفرون عليها في منزلهم أصلا. الفطائر "معبودة" الصائمين بمجرد أن تدق ساعة منتصف النهار، ينطلق السباق إلى أزقة السويقة «باب الحد» ودروبها المتشعبة. سباق تشتد وتيرته دقائق معدودة بعد أذان العصر، لتنطلق الأفواج صوب محلات صغيرة انتصبت في مقدمة هذا الزقاق أو ذاك، تتنافس طيلة الثلاثين يوما من الشهر المبارك، على تلبية رغبات زبنائها، الذين تشكل النساء غالبيتهن، يتهافتون على اقتناء ما تعرض من مختلف أنواع الفطائر، حتى المغربية الأصيلة منها، وتغنيهم عن ساعات من «الوقوف أمام الفراح» تقول شابة شاكرة بائعة بإحدى المخابز الموجودة بقلب العاصمة، الرباط، وهي تقدم لها كيسا مليئا بأنواع المسمن «المعمر بالخليع» وباللحم المفروم، وقطع «الحرشة»، قبل أن تنتبه إلى وجود «مخامر» صغيرة الحجم بحشوات مختلفة تسأل عن محتوى كل واحدة منها، لتكمل «تشكيلة» مائدتها لأول أيام رمضان.ومع توالي ساعات النهار واقتراب أذان المغرب، يزداد الطلب، وتنبعث روائح الطعام الزكية التي لا مجال معها للمقاومة، فهي تنشط خلايا الدماغ وتحفز الرغبة في الشراء، سيما أن أثمنة هذه المنتوجات بالسويقة تظل أقل مقارنة بالمخابز العصرية، إذ لا يتعدى ثمن الفطائر بدون حشوة درهمين، ودرهم واحد لوحدة «البغرير» صغيرة الحجم، علما أنه لا يتجاوز 20 درهما للكيلوغرام الواحد في أقصى الحالات، ليصل بذلك الازدحام إلى ذروته ب»السويقة»، التي اعتبارا لخصوصية الشهر الفضيل، يعرض أصحاب المحلات بها مختلف أنواع العجائن من شرائح البيتزا و»الشوصون» و»الكرواصون» التي غزت العادات الغذائية للمغاربة وأصبحت جزءا منها، بل إنها صارت تنافس «الشهيوات» المغربية التي ألفت العائلات المغربية، أيا كان مستواها الاجتماعي والاقتصادي، تزيين موائدها الرمضانية بأصناف منها. صفوف طويلة، أمام هذا المحل أو ذاك، وتجمهر على تلك العربة التي بحت صاحبتها في مدح نوعية المسمن التي أعدته وتحلف بأغلظ الأيمان أنها استخدمت في إعداده أجود أنواع الدقيق، ما يجعل ثمن الواحدة منه يرتفع إلى ثلاثة دراهم عوض درهمين التي تبيع به زميلاتها في الحرفة، وقد تفور أعصابها فتطالب زبونة بالمغادرة «أنا للي عارفا سلعتي بغيتي تشري باسم الله مابغيتيش الله يعاون راه السوق كبير».ورغم أن «السويقة» تعرض على مدار السنة أنواعا من الفطائر للراغبين فيها، إلا أن لشهر رمضان خصوصية، فبعض المحلات مثلا تعمد إلى إعداد الحشوات أمام الزبائن، فتكون النتيجة ألا يتمكن مار بالسويقة من مقاومة رائحة الطعام المنبعث منها. «والله كل نهار كانخرجو خنشة ديال الخبز والكرواصة والملاوي.. الله يسمحلينا، ولكن هادشي للي عطا الله فرمضان العين للي كاتشهى وايلا ماكانتش الطبلة عامرة ومزوقة بحال إيلا كنا ماغاديش نشبعو»، تقول امرأة مخاطبة زبونة أخرى فيما بائعة الفطائر منهمكة في لم طلبها، وعرض قائمة المشتريات على المكلف بالمحاسبة الذي غالبا ما يكون صاحب المحل. التمر سلطان موائد الصيام حتى وإن كان التحضير لشهر رمضان يتم أسابيع قبل حلوله، إلا أن الأيام الأخيرة وحتى الأسبوع الأول من حلول الشهر الفضيل، تشهد حركية خاصة، الكل، صغيرا أو كبيرا يركض في اتجاه الأسواق. رواج منقطع النظير، وإقبال على كل المنتوجات والسلع الغذائية، لا يضاهيها إلا إقبال المغاربة على التبضع أيام الأعياد.وتظل العاصمة الرباط، وفية، كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر مدن البلاد، لعادات التبضع، فتلبس أسواقها أبهى حلة، استعدادا لتوفير ما لذ وطاب من فطائر و»شهيوات»، يتربع التمر على عرشها، لفوائده الصحية التي غدت غير خافية على أي مغربي، ولتلازمه مع عادة الصوم، فكل الأسر تعتبر أن الصوم لا يستقيم إذا لم يبدأ الصائم إفطاره بحبات تمر، تختلف جودتها ونوعيتها باختلاف الطبقات الاجتماعية، كل وقدرته الشرائية، إلا أن الاتفاق على أنه من بين المأكولات الرئيسية التي لا محيد عنها طيلة أيام شهر الصيام.وتعد «السويقة» واحدة من الأسواق الرباطية التي تجود على زبنائها بمختلف أنواع الحبوب والتمور والفواكه الجافة، من جوز ولوز و»شريحة» وغيرها، فضلا عن أصناف «الشباكية» و»المخرقة»، التي تطول طوابير مقتنيها وقد تنفد الكمية المعروضة دون أن يتمكنوا من اقتناء طلبهم، ليعدهم صاحب المحل بحصولهم على طلبهم اليوم الموالي، شريطة أن يلتزموا بالحضور في توقيت يحدده هو، فالتجار، رغم تذمرهم أحيانا من الازدحام والجلبة التي يحدثها طالبو منتوجاتهم، إلا أنهم لا يخفون سعادتهم بقدوم هذا الشهر الذي تنتعش فيه تجارتهم وتحقق أعلى المداخيل، مقارنة مع باقي فصول السنة.وفضلا عن التمور التي تراوحت أثمنتها هذه السنة بين 40 و170 درهما، يكثر الطلب على الفواكه الجافة والمكسرات، إذ «من الضروري أن نتناول بعضا منها، على الأقل خلال وجبة السحور، كايعاونو على الصيام، خصوصا أن النهار طويل ورمضان جا هاد العام مع بداية الصيف «، يقول أحد المتبضعين. إنجاز: هجر المغلي