fbpx
حوار

أزولاي : محمد الخامس علم العالم التسامح حين حمى اليهود من النازية

أندري أزولاي المستشار الملكي قال إن الصويرة راهنت في تنميتها على تاريخها

نظمت، أخيرا، مؤسسة الزرقطوني للثقافة والأبحاث ندوة فكرية في موضوع “محمد الخامس واليهود المغاربة خلال حكومة فيشي الفرنسية”، احتضنها فضاء “دار الصويري” بالصويرة، وشارك فيها عدد من الباحثين والمهتمين، منهم الدكتورة بهيجة سيمو مديرة مديرية الوثائق الجامعية، والدكتور جامع بيضا مدير مؤسسة “أرشيف المغرب”، والباحث أمين الكوهن ضمن تظاهرة “2014 سنة محمد الخامس” التي تشرف عليها مؤسسة الزرقطوني في عدد من المدن المغربية . وكان أندري أزولاي، مستشار الملك محمد السادس والرئيس المؤسس لجمعية “الصويرة موغادور”، أحد المشاركين في هذه الندوة، والتي كشف فيها، من خلال مداخلته، عددا من الوقائع التاريخية التي تكشف متانة العلاقة بين الملك الراحل محمد الخامس والطائفة اليهودية بالمغرب. كما خص “الصباح” بحوار استعاد فيه جوانب من هذه العلاقة مثلما تحدث عن علاقته بالصويرة والرهان على الثقافة والفن لتحقيق إشعاع وطني ودولي للمدينة، وجعلها معقلا لإشاعة ثقافة التسامح والحوار بين الديانات والثقافات.

 رغم مضي أزيد من نصف قرن على رحيل محمد الخامس، إلا أن شخصية هذا الملك ما زالت تحظى بتقدير خاص من طرف اليهود المغاربة، في نظرك لماذا؟
 أعتقد أن الأمر يتعلق بواجب جماعي تجاه شخصية عظيمة، أسدت خدمات جليلة لفئة من مواطنيها ورعاياها، ولم تتخل عنهم في أصعب الظروف، وأقصد مرحلة اجتياح الحكم النازي العديد من دول العالم بما فيها المغرب الذي كان خاضعا للانتداب الفرنسي الذي سقط بدوره في يد النازية على عهد حكومة “فيشي” الفرنسية نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات. خلال هذه المرحلة قدم الملك الراحل محمد الخامس للفرنسيين، وللعالم بأسره، درسا في الأخلاق والشجاعة والدفاع عن قيم الحداثة والتسامح والإيمان بالتعدد، لحظة رفض تطبيق قوانين “فيشي” النازية والعنصرية على اليهود المغاربة، فكان جوابه حين طلبت منه سلطات الحماية الفرنسية تطبيق هذه القوانين على الطائفة اليهودية، أنه لا يوجد لديه يهود بقدر ما يوجد هناك مواطنون مغاربة لا فرق فيهم بين اليهودي والمسلم، كما علق ساخرا حين طُلب منه توزيع النجمات الصفراء على اليهود المغاربة لتمييزهم عن غيرهم بأن يبدؤوا بالأسرة الملكية. هذه المواقف وغيرها تكشف طبيعة هذا الملك الذي استعدنا ما قام به لصالح فئة لا تتجزأ من المغاربة، خلال اللقاء الذي نظمته مؤسسة الزرقطوني بمدينة الصويرة، هذه المدينة التي ظلت عبر التاريخ رمزا للتعايش الديني والثقافي والاجتماعي، وفضاء يجسد تعدد الروافد الحضارية بالمغرب، فكان طبيعيا أن تحتضن ندوة تستعيد وجها من أوجه هذه العناصر التي تحدثنا عنها من خلال شخصية الراحل محمد الخامس ومواقفه تجاه اليهود المغاربة.
 على ذكر المصاعب التي واجهت اليهود المغاربة خلال فترة حكومة فيشي، كيف تستشرفون مستقبل المكون اليهودي بالمغرب، خاصة أنه تعرض لهزات جعلت حضوره يتقلص على الأقل من الناحية الديموغرافية؟
 فعلا، تعرض اليهود المغاربة للعديد من الهزات على امتداد القرن الماضي، وهو قرن تخللته صدمات أبرزها الصدمة الثقافية والاجتماعية الكبرى جراء بسط نظام الحماية على المغرب،  كما أن تأسيس دولة إسرائيل أرخى بظلاله على العلاقة بين اليهود والمسلمين والمغاربة، ودفع بها نحو التدهور، دون الحديث عن نوع من القطيعة مع المجال المغربي الأصلي بالنسبة إلى اليهود بفعل الهجرة، كل هذه العوامل وغيرها لم تمنع هؤلاء من الاستمرار في الوجود، ولم تؤد بهم في نهاية المطاف إلى الانفصال بشكل كلي عن جذورهم بل ظلوا مستمرين في التشبث بمكونات مرجعيتهم المغربية رغم توزعهم على مختلف أنحاء المعمور، وهذا الاستمرار للمكون اليهودي المغربي يعود أولا إلى التجذر العميق لهذا المكون في أرض المغرب لما يربو عن ألفي سنة، ما جعل مساهمة اليهود المغاربة في التراث الوطني تكون فعالة، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى عاملي التجذر والاستمرارية بنوع من الاطمئنان والأمل في أن يكون المستقبل عنوانا لاستمرار التعايش وإثبات قدرة المغاربة على تقديم النموذج الحي لقيم التسامح والإخاء، وكذلك على الجمع والتأليف وليس الإقصاء.
  في جل الأنشطة التي تشرفون عليها بالصويرة تراهنون على الفن والثقافة لترسيخ قيم التعايش والتسامح. ألهذا الحد تؤمنون بفعالية هذين العنصرين؟
 أنا فخور كصويري أن أساهم من موقعي في نهضة هذه المدينة التي نشأت وترعرعت فيها، ومنها تشبعت بقيم التعايش والتسامح التي كانت وما زالت العنوان الذي يميز هوية المدينة، فكل حجر فيها وكل ركن فيها ينطق بحكايات من التاريخ، ويشهد على حقب وأناس كثيرين مروا من هنا، وتركوا بصماتهم حاضرة في هوية المدينة المبنية على الانفتاح وقبول التعدد والاختلاف. لذا كان الرهان على الثقافة والفن ليكونا رافعتين للتنمية ومحركين أساسيين لها. بالفن والثقافة نضمن ترسيخ القيم التي توحد بين البشر على اختلاف انتماءاتهم الحضارية والدينية، وهو ما نسعى إلى الترويج له من خلال مختلف التظاهرات والمهرجانات التي تحتضنها الصويرة على مدار السنة، والتي تبدو ظاهريا تختص فقط بهذين العنصرين فقط، إلا أنها في العمق تساهم أيضا في تنمية المدينة على أصعدة أخرى، لكن في المقابل، لا يمكن إنجاح مثل هاته التظاهرات دون إيلاء العناية الكافية بفضاءات المدينة والحرص على المحافظة على المآثر العمرانية والثقافية التي تختزنها، كما أنه بالفن، نحاول أن نعطي معنى للحياة بهذه المدينة.
 من الملاحظ أن رهان التنمية عن طريق الثقافة بالعديد من المدن يكون عملا “مشخصنا” مرتبطا بالأفراد أكثر من المؤسسات. ما تعليقكم على هاته المسألة؟
 نحاول في الصويرة أن نتجاوز هذا المعطى، فنحن هنا نشتغل كمؤسسة وليس كأفراد، ونسعى إلى مأسسة عملنا وضمان استمراره، رغم تغير الأفراد، فالصويرة اختارت منذ أزيد من 23 سنة الانطلاق نحو تحقيق تنميتها من خلال الرهان على تاريخها، وهذا التاريخ لن يتأتى إبراز خصوصيته وفرادته إلا من خلال التركيز على التنشيط الثقافي والفني، فعن طريقهما يمكن تبليغ كل الرسائل وترسيخ القيم التي من شأنها أن تجعل من الصويرة أو غيرها من المدن المغربية التي تسير في الطريق نفسه، نموذجا للتنمية.

أزولاي…سفير السلام والتعايش

نذر نفسه للدفاع عن قيم التسامح والحوار البناء بين الثقافات والديانات. أندري أزولاي المغربي اليهودي وعى منذ نعومة أظافره معنى أن ينتسب لهذا البلد ولهذه الديانة، وكيف يرى فيهما كلا لا يتجزأ، ومن خلالهما ينظر إلى العالم، ويقدم له نموذجا رائدا في ترسيخ قيم التعايش والإخاء بين المسلمين واليهود بالمغرب، حتى في أحلك الفترات التاريخية، ما جعل البلد يخرج فائزا في كل اختبار يمس زعزعة هذه القيم التي انبنت عبر قرون طويلة.
أزولاي الذي كلما تحدث عن الصويرة مسقط رأسه ومهوى قلبه، إلا ويلمع في عينيه الزرقاوان بريق غريب (في بعض الروايات تعني “أزولاي” بالأمازيغية أزرق العينين)، وتكتسب نبرة صوته تهدجا يفيض بالحب لهذه المدينة التي يقول إنها أرضعته حليب التسامح والتعايش، حين كان يلهو رفقة أترابه، مسلمين ويهودا، بأزقة “درب أهل أكادير” بالمدينة العتيقة للصويرة حيث نشأ وترعرع وسط عائلة يهودية جذورها أمازيغية، ولم يكن أحد يميز الآخر بسبب انتمائه الديني، إذ كانت المدينة وما زالت فضاء خصبا لإنتاج قيم التعايش.
أندري أزولاي كائن صويري بامتياز. يعشق كل ما ينتمي لهذه المدينة من بشر وحجر، مستشعرا الروح الدافئة التي تسري في أرجائها، المضمخة بعبق العرعار ورائحة البحر القادمة من خلف أسوارها العتيقة. حين يضع قدميه فيها يشعر أنه في مكانه الطبيعي والأثير. يتحرك فيها متخففا من وزر البروتوكول، ومتخلصا من هامش التحفظ الذي يطبع مهمته مستشارا للملك ورجل دولة، فيستحيل إلى مواطن صويري يتجول في أزقتها ودروبها، ملقيا التحية أو متجاذبا أطراف الحديث مع بسطائها بدارجة مغربية قحة، تكشف عمق تمسك الرجل بجذوره، وفي الوقت نفسه تبعث على الدهشة بحكم أن أزولاي يفضل غالبا في المناسبات الرسمية الحديث بلغة فرنسية راقية، لا يعتقد المستمع إليه معها أنه فعلا ما زال محتفظا بالصلة مع لغته الأم.
أندري أزولاي القادم من عالم المال والأعمال والمصارف، اختاره الراحل الحسن الثاني ليكون مستشارا له بداية التسعينات من القرن الماضي، ومنذ تلك الفترة ولحظة عودته إلى المغرب قادما من فرنسا، اختار أيضا رد الجميل إلى مدينته الأصلية الصويرة، من خلال المساهمة في تطويرها وتنميتها، سالكا منهج إحداث إشعاع ثقافي وفني، كفيل بتحريك عجلة التنمية بها، وهي التي ظلت لعقود غارقة في غياهب النسيان.
تقلد أزولاي مهام عديدة جلها تصب في مجال تخصصه في الدفاع عن قيم التسامح والتعايش، منها منصب عضو لجنة الحكماء لتحالف الحضارات، ومسير في مركز “الحوار المتوسطي” ومركز “شمعون بيريز للسلام” و”سفير للنوايا الحسنة لإمارة موناكو”، كما انتخب سنة 2008 رئيسا لمؤسسة آنا ليندا الأورومتوسطية للحوار بين الثقافات.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى