fbpx
مجتمع

المقـررات المدرسيـة … رحلـة بحـث “سيزيفيـة”

أولياء أمور ينتظرون أمام المكتبات إلى الثالثة صباحا وعراك بالأيدي وتدافع من أجل كتب غير متوفرة

في الوقت الذي حسمت بلدان عديدة في مسألة توفير الكتب المدرسية لتلاميذها وتأمين بداية موسم دراسي سلس وجميل، ما زال المغرب يتخبط كل سنة تقريبا، في مشكل المقررات المدرسية غير المتوفرة بالكميات المطلوبة، وما زال أولياء الأمور يضطرون إلى ترك جميع أشغالهم الهامة من أجل التفرغ إلى رحلة البحث عن كتب ما زال بعضها قيد الطبع، في حين تقوم القيامة من أجل شراء المتوفر منها في المكتبات، التي اضطر بعضها إلى فتح أبوابه إلى الثالثة صباحا من أجل تلبية جميع الطلبات، دون أن تتمكن من ذلك. «الصباح»، قامت بجولة على بعض المكتبات، وتحدثت إلى كتبيين وأولياء أمور، وأتت لكم بالورقة التالية:

إنجاز: نورا الفواري/ تصوير (أحمد جرفي)

تشير الساعة إلى التاسعة ليلا… صفوف عشوائية تعيق حركة السير… رائحة العرق تزكم الأنوف بسبب الاكتظاظ الرهيب الذي يعم الفضاء الفاصل بين مكتبتين يفرق بينهما شارع صغير لا يستطيع أن يمر منه صرصور صغير من فرط الزحام، فما بالك ببشر… جلبة وضجيج وضوضاء وصياح من كل حدب وصوب… «خويا… واش كاين المقرر ديال النشاط العلمي؟»… «ختي… واش جبتو المقررات ديال الفرنسية ديال الابتدائي الأول؟»…. المسؤولون عن المكتبة، التي توجد بأحد أحياء وسط مدينة البيضاء، لا يرون الوجوه والسحنات، بل فقط الأيادي التي تمتد إليهم بلائحة الأدوات المدرسية التي لا وجود لأكثر من نصفها في جل مكتبات العاصمة الاقتصادية، رغم أن الدخول المدرسي انطلق الاثنين الماضي.

كتب مدرسية «مقطوعة»

بين الفينة والأخرى، عراك بسبب «النوبة» والتدافع. «فمن يحضر أولا، تتم خدمته أولا» مثلما يقول المثل الفرنسي. وكلما كان الشخص سباقا إلى مد ورقته إلى الكتبي، كلما كان حظه أوفر في الحصول على آخر مقرر أو كتاب متوفر. لذلك المنافسة شرسة بين أولياء أمور التلاميذ، وتصل أحيانا إلى الخصام و»المعايرة»، بل حتى العراك بالأيدي، فالقضية «مسألة حياة أو موت».
آباء وأمهات من مختلف الفئات الاجتماعية. منهم من يدرّس أبناءه في المدارس العمومية، ومنهم من اختار «مضطرا» التعليم الخصوصي بكل ما يحيل عليه من جشع وطمع وانتهازية لدى المواطن المغربي المغلوب على أمره، الذي لم يجد في مدرسة «الدولة» تعليما جيدا يضمن به لأبنائه مستقبلا «ولو على قد الحال». يقضون اليوم كله «يتجارون» بين مكتبات البيضاء بحثا عن مقررات دراسية «مقطوعة» لأن الكميات المطبوعة منها لا تفي بالطلب، تاركين أعمالهم وأشغالهم، في رحلة بحث «سيزيفية»، غالبا ما تنتهي ب»خفي حنين».

ضغط ومعاناة

تقول إحدى الأمهات، في لقاء مع «الصباح»: «إنها معاناة يومية حقيقية. لا يعقل ألا يتم توفير الكتب والمقررات المدرسية في وقتها، أو حتى قبل أشهر من الدخول المدرسي لنتجنب كل هذه الفوضى والعشوائية والزحام على المكتبات. إنه ضغط ينضاف إلى قائمة الضغوطات اليومية التي تكاد تقتلنا… ما حيلتنا للمبالغ الباهظة ديال الدخول… ما حيلتنا للمصاريف ديال الحوايج والمحفظة وغيرهما… ما حيلتنا نقلبو على هاد الكتوب اللي ما كاينينش»، قبل أن تضيف «الأدهى والأمرّ، أن المدرسين يطالبون التلاميذ بإحضار المقرر الدراسي، رغم أنهم يعرفون أنه غير متوفر في السوق. وكأننا نحن أولياء الأمور نتلكأ في شرائه، في حين أن المسؤول الأول والأخير عن هذا التأخر هو الوزارة الوصية اللي ما دايراش خدمتها مزيان. حنا كا نخلصو على ولادنا الزبابل ديال الفلوس باش يقراو ما غاديش نوحلو مع مقرر أو جوج».
سألت «الصباح» صاحب مكتبة عن سر عدم توفر مجموعة من المقررات المدرسية، فأجاب: «الأعداد المطبوعة منها ليست بالكميات الكافية لجميع المتمدرسين. كل يوم نتوصل بوعود من الموزعين من أجل توفيرها، لكننا حين نتصل، يخبروننا أنها غير موجودة، وعلينا الانتظار مزيدا من الوقت. إنهم يضعوننا في موقف حرج مع أولياء الأمور. لقد اضطررنا أمس إلى البقاء إلى الثالثة صباحا بعد أن توفرت لدينا كمية من المقررات. والشيء نفسه سيتكرر غالبا اليوم، بعد أن وعدناهم بتوفير كميات أخرى. تبدأ طوابير الانتظار منذ السادسة مساء. وتخرج الأمور عن السيطرة بسبب الزحام والفوضى في حدود التاسعة. ويظل الإقبال كبيرا من الزبائن حتى بعد الحادية عشرة ليلا ومنتصف الليل. لم يسبق لنا أن اشتغلنا بهذه الوتيرة أبدا».

أسعار “نار”

إضافة إلى توتر الآباء والأمهات بسبب ندرة المقررات المدرسية، يضطر الكتبيون إلى التعامل أيضا مع غلاء أسعار الدفاتر المدرسية وبعض الكتب، رغم أنهم أنفسهم يشترونها من السوق بسعر أعلى من المعتاد. سألنا الكتبي نفسه عن الدعم الذي خصصته الحكومة للناشرين من أجل عدم رفع الأسعار بمناسبة الدخول المدرسي، فعلّق قائلا بنبرة منتقدة: «باستثناء بعض مقررات التعليم العمومي، الأسعار كلها نار… نشتري الورق والدفاتر والعديد من مستلزمات الدخول المدرسي بأسعار مرتفعة. ومن الطبيعي أن نرفع بدورنا الأسعار على المستهلك، وإلا اضطررنا إلى إقفال مكتباتنا التي تعاني كسادا أصلا بقية أيام السنة».
وحول مشكل الأسعار نفسه، تحدثت «الصباح» إلى أحد الآباء، الذي اشتكى من الغلاء الذي «قهر المواطنين البسطاء، دون أن تلتفت الحكومة إلى معاناتهم».
وأضاف متسائلا بغضب «لا أفهم لماذا يصرون على تغيير المقررات كل سنة؟ وماذا جنى التعليم والمدرسة من تحرير الكتاب المدرسي سوى أموال طائلة تدخل جيوب البعض وتثقل كاهل أولياء الأمور؟ وما العبرة والاستفادة من وجود مقررات مختلفة للمستوى الدراسي نفسه؟ ولماذا لا تتدخل الوزارة والحكومة من أجل حمايتنا من عصابات تأكل لحمنا ونحن نتفرج لا حول ولا قوة لنا؟». أسئلة نقلتها «الصباح» إلى قسم التواصل داخل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، لكنها ظلت معلقة في انتظار إجابات شافية، إلى حدود كتابة هذه السطور.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


زر الذهاب إلى الأعلى