دوليات

تونس والحاجة إلى العدالة الانتقالية

بغض النظر عن التقييمات الأولية لثورة الياسمين التونسية، وأخذا بعين الاعتبار عدة معطيات أولها أثر 23 سنة من القمع الذي اتخذ عدة مظاهر كان أولها انحطاط  الممارسة السياسية  وانهيار قيمها النبيلة القائمة على احترام الآراء، والاستعداد   للدفاع عن حاملها وان لم نشاطره اياها، وترهل الأحزاب، واختيار ما يعرف بمعارضة الداخل العيش في ظل الحزب الوحيد، قهرا أو عن طواعية، مما جعلها غير قادرة على  المبادرة  والأخذ بزمام الثورة عندما قامت، أو على الأقل الضغط لاختيار العناصر القمينة بقيادة المرحلة الانتقالية، وفقدان النقابات، التي تعتمد على الجماهيرية بعض من  دينامية مناضليها من جراء القمع الشرس، ما جعل  أهمها تتردد بين مقاطعة مسرحية الغنوشي، ومن معه أو الانخراط فيها.
واستكانت النخب الفكرية والأكاديمية من جراء سياسة العصى والجزرة إلى مراقبة التطورات السريعة دون الاقتراب منها أو حتى التنظير لها، وهجرة أهم الفعاليات المدنية، خاصة الحقوقية منها ، للعمل في المؤسسات الحقوقية الدولة.
وثانيها تعدد ارتباطات النظام السابق، والذي قبله، بالأقطاب الدولية والتدخل غير المباشر للأخيرة لرسم معالم تونس الجديدة، كما تدخلت من قبل لرسم معالم تونس المستقلة.
وثالثها  الطبيعة الأسرية لمن كان يقبض بزمام الأمور في فترة حكم بن علي ووصول الأمر إلى حد الميوعة السياسية، ونمو علاقات زبونية  متمحورة حول عائلتي بنعلي- الطرابلسي، مبنية على النهب بجميع أشكاله.
أمام كل هذا هل تصلح منهجية العدالة الانتقالية لمعالجة الوضعية السياسية الراهنة والمترتبة عن ما سبق ذكره؟
نعم  تونس محتاجة اليوم، وهذا الظرف السياسي الدقيق من حياتها، وحتي لا تفوت الفرصة من جراء تكالب الحرس القديم على الثورة، إلى اعتماد منهجية العدالة الانتقالية للخروج من مأزق ما بعد ديكتاتورية بن علي والتأسيس الحقيقي للدولة الديمقراطية ودولة الحق والقانون، باعتبار أن هذه المنهجية تسمح كذلك ببث نوع من روح المبادرة في كل المؤسسات والفعاليات المترهلة.
وتستفز الذكاء الجماعي، وتفتح المجال أمام الأفراد
والمجموعات للاقتراح والمبادرة والانخراط في البناء الديمقراطي والمساهمة فيها. كما أنها أيضا آلية تجعل  البشر فوق الأحقاد والضغائن التي يمكن أن تهدد وحدة الأمة، وبالتالي، فهي خيار للتعامل الذكي والمرن مع الماضي بالشكل الذي لا يهدد مسار الثورة ولا مستقبل البلاد ووحدته، دون أن يعني ذلك أنها خيار لتسهيل الإفلات من العقاب.
إن التجربة التونسية في مجال العدالة الانتقالية، إن كتب لها القيام ، ستكون  نموذجا جديدا وفريدا، باعتبار أن الثورة وقفت في منتصف الطريق ولم تستطع، للاعتبارات الذاتية والموضوعية سابقة الذكر بالمواصلة لقطف ثمارها الطازجة، وستطرح، أي التجربة التونسية، أسئلة جديدة على المهتمين بالانتقالات الديمقراطية والعدالة الانتقالية بالخصوص، وسيدفع المهتمين بمنهجية العدالة الانتقالية، التونسيين وكل من سيتعاون معهم من الخبراء الدوليين،  إلى مزيد من الإبداع لتناول مرتكزاتها، ذلك أن بن علي، وإن لم يتسبب طيلة مدة حكمه في جرائم ضد الإنسانية، فقد فعل ذلك في فترة اندلاع الثورة، حيث من المؤكد أنه الآمر بقتل ما يقرب من ثمانين مواطنا، فإذا كان البحث عن الحقيقة يشكل أهم مرتكز من مرتكزات العدالة الانتقالية، فإن الحقيقة لن تنجلي إلا بالإجابة على ثلاثة أسئلة تقليدية وهي، من أمر ومن نفذ ومن استفاد من هذه الجريمة.
الكل يعلم أن الآمر كان هو بن علي، ومؤكد أن  وزير الداخلية والقائم على الحرس الرئاسي، عكس المسؤول الأول عن الجيش نفذوا الأمر الموجه إليهم  من قبل الرئيس  بدون تردد، في حين أن المستفيدين كثر أولهم تلك التي هربت بما يعادل 1500 كيلوغرام من الذهب، حينما كان هؤلاء ينفذون أمر الرئيس.
ومن المؤكد كذلك أن الأيام ستكشف عن مستفيدين كثر، خاصة من المقربين عائليا وحزبيا  بالخصوص، ما يجعلني أتنبأ بقيام حرب ضروس حول الوثائق والأرشيف، خاصة أن التنصل من تقاسم  المسؤولية قد بدأ مند أن ركب الديكتاتور الطائرة، وانتقل من التنصل من الجرائم السياسية إلى الجرائم الاقتصادية.  
من المؤكد كذلك أن ضحايا كثيرين لنظام بنعلي هم في حاجة ماسة اليوم إلى جبر ضررهم ، سواء أولئك الذين أحسوا يوما ب” الحكرة” من قبيل المرحوم محمد البوعزيزي، أو أولئك الذين فوتت عنهم فرص الحياة العادية، وأقبروا في السجون العلنية أو السرية، أو أولئك الذين هجروا بعيدا، أو أولئك الذين حرموا من عزيز عليهم.
وما لا شك فيه كذلك أن تطبيق مفهوم جبر الضرر الفردي والجماعي سيكشف للكثيرين كم كانوا واهمين عندما اعتقدوا أن تونس نموذجا للدولة الناجحة، في ما يتعلق بمقايضة التنمية بالحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيكتشفون للمرة الألف أن لا بديل عن الديمقراطية للتنمية الحقيقية، وما غير ذلك أوهام أو ضحك على الذقون، أو إيجاد المناخ الملائم للنهب والسطو وممارسات التجاوزات السياسية والحقوقية.
أعتقد أن زمن اشتغال التونسيين على معالجة ماضيهم السياسي يجب أن يمتد من الاستقلال إلى يوم ثورة الياسمين، ذلك أن كثيرا من التونسيين يشتكون من انتهاكات جسيمة لحقوقهم عقب الاستقلال وسيطرة الوطنيين على الحكم بقيادة الراحل بورقيبة، وهي مناسبة للإنهاء مع  توترات مرحلة ما بعد الاستعمار.
لتونس كما لجميع بلدان شمال إفريقيا ضحايا كثر من جراء القمع الذي أعقب ذهاب المستعمر، وقيام صراعات داخلية بين بعض الشرعيات الوطنية، المناسبة هامة للشعب التونسي لتكريم ضحاياه ، كما كرم المغرب ضحايا سنوات الرصاص وان ما زلنا نطالب بضرورة اعتذار الدولة لضحاياها، وصيغ التكريم متعددة وكثيرة.
إلا أن الأهم من كل هذا هو ضرورة التفكير في طرق تعامل التونسيين مع من نهبوا البلاد والعباد، فمن الضروري أن يبدع الشعب التونسي صيغا لمعاقبة كل من خولت له نفسه الاعتداء على حرمة البلد والشعب، إلا أن هذا الإبداع يجب أن يكون مسكونا بالمستقبل وليس بالماضي، ما يعني ضرورة البحث عن صيغ عدم تكرار ما جري والمساهمة في بناء الدولة الديمقراطية التي يجب أن تتسع للجميع.
أعتقد أن هشاشة الانتقال في تونس، وتكالب قوى محيطة بها من قبيل الجماهيرية الليبية والجمهورية العسكرية الجزائرية يستوجب من جميع التقدميين والحقوقيين في العالم التفكير لمساعدة التونسيين على الاستفادة القصوى من ثورتهم، والتأسيس للدولة التونسية الديمقراطية، دولة الحلم.

عبدالسلام بوطيب: رئيس مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق