دوليات

القاعدة في المغرب الإسلامي… المجموعة الإرهابية التي تهدد فرنسا

تحقيق للكاتب والصحافي الجزائري محمد سيفاوي يسبر أغوار هذا التنظيم الإرهابي

صدر عن دار النشر «أنكر دو ريون» خلال 2010، كتاب على شكل تحقيق للصحافي والكاتب الجزائري محمد سيفاوي يسبر أغوار تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، من خلال تسليط الضوء على ظروف نشأته وارتباطاته بتنظيم القاعدة والمرجعية المذهبية

التي يستند إليها وطرق اشتغاله. وسبق للكاتب أن أصدر كتابا، خلال 2003، تحت عنوان «إخواني القتلة»، الذي أعده بعد مجموعة من التحقيقات التي أنجزها حول تنظيم القاعدة و”الإرهاب”الإسلاموي في باكستان وأفغانستان منذ 20 سنة. ويعتبر الكاتب من الباحثين المتخصصين
في الحركات الإسلامية والتنظيمات الإرهابية ذات الإيديولوجية السلفية. من هم زعماء تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي؟ وماهي علاقتهم مع أسامة بن لادن؟ وكيف يتم التجنيد في صفوف هذا التنظيم؟ هذه مجموعة من الأسئلة التي يحاول الصحافي
والكاتب والمخرج الجزائري محمد سيفاوي الإجابة عليها من خلال الكتاب الذي أصدره أخيرا، والذي يعتبر بمثابة تحقيق صحافي يدخل إلى قلب هذا التنظيم الإرهابي ليسلط الضوء على نشأته وتطوره وامتداداته والإيديولوجية التي تؤطره.

في مقدمة الكتاب يسلط الكاتب الضوء على التطورات التي أدت إلى نشوء خلافات داخلية في صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر، التي نشأ عنها في البداية الجماعة السلفية للدعوة والقتال، قبل أن تقدم بيعتها لأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، وتغير إسمها لتصبح في فبراير 2007، تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. ويشير الكاتب إلى أنه قبل نشوء هذا التنظيم، شهدت المجموعة الإسلامية المسلحة صراعات داخلية قوية، التي تعود بالأساس إلى خلافات مذهبية، إذ أن بعض الأجنحة في التنظيم كانت تجد نفسها قريبة من إيديولوجية جماعة الهجرة والتكفير وتعتبر، منذ 1995، أن المجتمع الجزائري كافر ويتعين محاربته لأنه يمتنع عن الانخراط في المشروع الإسلامي، ما يستوجب الاقتصاص منه، سيما مع مشاركته المكثفة في الانتخابات الرئاسية التي نظمت خلال السنة نفسها. لكن لم يكن هذا التوجه يحظى بقبول كل مكونات التنظيم، إذ كان بعض السلفيين يرفضون تنفيذ عمليات التقتيل في صفوف المدنيين، التي أقرها عنتر الزوابري، الأمير السابق للجماعة الإسلامية المسلحة.

خلافات داخل الجماعة المسلحة الإسلامية
في السياق ذاته، ساهم اختراق هذه المجموعات من طرف عناصر مصالح الاستعلامات والأمن التابعة للجيش الجزائري إلى تغذية الخلافات داخل هذا التنظيم من أجل إضعافه. الأمر الذي أدى إلى حملة من التصفيات في صفوف المجموعات الإسلامية المسلحة، إذ بمجرد الشك في أحد المساعدين يتم إصدار قرار بتصفيته. كما أن الخلافات التي نشبت في هرم السلطة بالجزائر حول الاستراتيجية التي يتعين اتباعها في مواجهة الإسلاميين، التي نتج عنها استقالة اليمين زروال وقبله مستشاره الجنرال محمد بتشين، ساهمت في تطوير نهج الجماعة.  وأمام هذه التطورات اقتنع بعض الزعماء السلفيين بضرورة مراجعة إستراتيجيتهم، سيما أن الجيش الإسلامي للإنقاذ، الذراع العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ، دعا، خلال 1997، إلى هدنة و دخلت في مفاوضات سرية مع مسؤولين أمنيين مرموقين على رأسهم الجنرالان اسماعين العماري، الذي شغل منصب رئيس لقسم مكافحة التجسس والأمن الداخلي بالمخابرات الجزائرية ، قبل وفاته في 2007، وإبراهيم فضيل الشريف، قائد الناحية العسكرية الأولى سابقا، الذي توفي بدوره خلال 2008.
وأمام هذه التطورات، يشير الكاتب، أصدرت المجموعة الإسلامية للدعوة والقتال أول بيان لها، الذي عنونته ب “بيان الوحدة”، تعلن فيه نشأتها واختيار حسن الحطاب، الملقب بأبو حمزة، أميرا وطنيا بالنيابة للتنظيم الجديد، وهو المنصب الذي سيظل يشغله إلى غاية مارس 1999، إذ سيعوض بالأمير عبد المجيد ديشو الملقب بأبو مصعب عبد المجيد، قبل أن يستعيد هذا المنصب بعد مقتل الأخير في مواجهات مع الجيش الجزائري.
وظل التنظيم موحدا، خلال ثلاث سنوات، قبل أن تنشأ خلافات بين حسن الحطاب وبعض مساعديه على رأسهم عبد المالك درودكيل، الملقب بأبي مصعب عبد الودود، الأمير الحالي لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي، ونشأ الخلاف بعد أحداث 11 شتنبر 2001، التي أدت إلى سقوط برجي التجارة العالمية بنيويورك، وما أعقبها من انعكاسات على الساحة الدولية. ويرى الأول أنه يتعين تكتيف القتال ضد قوات الأمن، في حين يرى الثاني أنه ينبغي استغلال الوضع الدولي بعد هذه الأحداث، التي أمر بها أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، من أجل رفع وتيرة استهداف المصالح الغربية بالجزائر. واتفق الطرفان على أن يجمع بين هذين الهدفين في الآن نفسه.
واستمر هذا الاتفاق لشهور، قبل أن يتصل الأمير دروكديل، الذي تسلق سريعا في هياكل التنظيم، بمختار بل المختار، الذي كان يرأس مجموعة من المقاتلين في جنوب الجزائر، ويقنعه بتوسيع عملياته لتشمل بالإضافة إلى استهداف رجال الدرك والجيش الجزائريين، مصالح الأجانب والغربيين الموجودين بهذه الجهة.
وبعد سنتين من أحداث 11 شتنبر سيقرر جورج بوش، الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية، غزو العراق، الأمر الذي سيؤجج السراع بين الخطاب ودرودكيل، إذ أن الأول يريد أن تظل الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال ذات بعد جهوي، في حين يرى الآخر إعطاء التنظيم بعدا دوليا، إذ يرغب في إرسال مقاتلي التنظيم إلى العراق من أجل مساندة الجماعات المقاتلة التي بدأت تنشأ هناك، إذ أصبح أكثر استجابة لدعوات أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي. وبعد 5 أشهر على غزو العراق، أصبح حسن الحطاب غير مرغوب في توجهاته، بمن في ذلك أقرب المقربين إليه. وتقرر بالإجماع خلال اجتماع للهيأة المقررة بالتنظيم في غشت 2003، توسيع عمليات الجماعة في الخارج، إضافة إلى العمليات التي تستهدف المصالح الجزائرية والفرنسية والبلدان المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي دفع الحطاب، بعد إحساسه بالعزلة، إلى التخلي عن منصب الأمير الوطني للجماعة لفائدة نبيل الصحراوي، الذي لن يعمر طويلا في المنصب، إذ سيقتل سنة بعد ذلك إثر مواجهات مع الجيش الجزائري، الأمر الذي أتاح الفرصة لعبد المالك درودكيل، الذي أصبح الرجل القوي في التنظيم، من أجل احتلال منصب القيادة في الجماعة. وخلال 2007 سيصدر بيان للجماعة الإسلامية للدعوة والقتال تخبر فيه تقديم البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وتغيير إسمها ليصبح تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
السلفية الجهادية… المذهب الرسمي

ماهي السلفية الجهادية؟ يقر الكاتب منذ البداية أنه للإجاية على هذا السؤال يتعين العمل على بحث جامعي من مئات الصفحات، من أجل الاطلاع على التجليات والمحاور المفصلة لهذا المذهب. لكن، يوضح الكاتب، فإن مفهوم السلفية بالنسبة إلى الأشخاص العاديين، يمكن تحديده في التفسير الحرفي للإسلام، الذي يوصي بالامتثال للتعاليم الإسلامية كما كان يفعل السلف، أي السابقين للإسلام من أصحاب الرسول الأوائل. ما يعني أن هذا المذهب، حسب الكاتب، يعتبر أن الإسلام الصحيح هو تطبيق الشريعة الإسلامية، بكل تفاصيلها وفق الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي خلال القرن السابع الميلادي.
ويشير الكاتب إلى أن فقهاء الدين المتعصبين، عملوا خلال تاريخ الإسلام، على اعتماد هذه المقاربة في التنظير وتفسير النص الشرعي، مضيفا أن “الفقهاء” المعاصرين الذين ظلوا متشبثين بهذه المقاربة يتحدرون غالبا من السعودية وباكستان ومصر. فمنذ سيد قطب، الذي يعتبر من كبار المنظرين “للجهاد”، إلى أسامة بن لادن وعبد الله عازم، مرورا بأيمن الظوهري وعدد كبير آخر من هذا الصنف من رجال الدين، كلهم يعتبرون أن الجهاد يمثل حجر الزاوية في الفكر السلفي وفق قراءتهم للدين.ولا يعترف هؤلاء المنظرون المعاصرون للتيار السلفي بأي عمل سياسي أو حوار مع فعاليات المجتمع، كما يرفضون المشاركة في العمليات الانتخابية، ويؤمنون بأن السلطة يجب أن تنتزع بالسلاح وفق ما ينص عليه شرع الله، حسب تعريفهم وفهمهم للشريعة، التي لا يمكن أن تطبق، حسب زعمهم، إلا عن طريق الجهاد لانتزاع السلطة.

علاقة القاعدة بالجماعة السلفية للدعوة والقتال
يوضح الكاتب أنه من خلال اختراق المناطق الجزائرية، عبر القاعدة في المغرب الإسلامي، نجحت منظمة بن لادن في تحقيق مشروع يرجع تاريخه إلى عقدين من الزمن. ويرجع الكاتب هذا النجاح إلى الخرجات الإعلامية لزعماء التنظيم والبيانات التي تتبناها القاعدة، إذ نجح هذا التنظيم، على المستوى التواصلي، في تمرير خطاباته وإيديولوجيته. ورغم أن الحملة الإعلامية التي واكبت هذه المرحلة والإعلان عن الحرب الدولية ضد الإرهاب، استطاعت أن تقلل من قدرة هذا التنظيم على إلحاق الأذى، فإنه ما يزال يشكل خطرا على كل الدول.
ويؤكد الكاتب أن العلاقة ما بين الإرهابيين الجزائريين والحركات الإرهابية الدولية ترجع إلى 1980، إذ أن فكرة إنشاء الجماعة الإسلامية المسلحة بدأت تنضج في عقلية بعض الجزائريين خلال مشاركتهم في الجهاد ضد قوات الاتحاد السوفياتي آنذاك بأفغانستان، التي كان يقودها أسامة بن لادن شخصيا.وبدأت مصالح الاستعلامات تستشعر التقارب القوي بين القاعدة والجماعة الإسلامية للدعوة والقتال، حتى قبل أحداث 11 شتنبر 2001، إذ أن التنظيمين استطاعا أن يخلقا قنوات للتنسيق بينهما وأن يقوما بعمليات مشتركة. واتضح ذلك انطلاقا من العمليات التي كان مخططا لها في فرنسا وأوربا بشكل عام.
ويشير الكاتب إلى أن اهتمام زعيم القاعدة بالجهاديين الجزائريين يرجع إلى بداية التسعينات، إذ كان ابن لادن يستقبل في ضيعته، عندما كان يستقر بالسودان، مرسولي الجماعة الإسلامية المسلحة، الذين كانوا يعرضون عليه الوضع في بلدهم ويتلقون منه التوصيات. وكان مختار بلمختار، الأمير الحالي لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في جنوب الجزائر، يلتقي أسامة بن لادن في العاصمة السودانية الخرطوم مرات عديدة ما بين 1994 و1995، واعترف بذلك بلمختار شخصيا في حوار خص به أحد المواقع الجهادية.وكانت اللقاءات تنظم بشكل مستمر ومنتظم بين القاعدة والجماعة السلفية للدعوة والقتال، وتأكد ذلك من خلال مجموعة من التحقيقات القضائية التي أجريت في الجزائر وعدد من البلدان الأوربية.

منطق احتجاز الرهائن
يشير الكاتب إلى أنه منذ “قضية الرهائن في الصحراء”، التي انفجرت في 2003، وجدت الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وبعدها القاعدة في المغرب الإسلامي، في عمليات اختطاف الأشخاص المتحدرين من البلدان الغربية وسيلة للانتشار الإعلامي، من خلال احتلال هذه العمليات الصفحات الأولى لمختلف الصحف. لكن يعتبر اختطاف الرهائن، أيضا، مصدرا مهما وأساسيا لموارد مالية من أجل تمويل العمليات الإرهابية للتنظيم. فمنذ 2003، سجل عدد الرهائن ارتفاعا ملحوظا في منطقة الساحل، التي تحولت خلال سبع سنوات، إلى أخطر المناطق التي ينعدم فيها الأمن، ووصل متوسط عدد عمليات الاختطاف إلى 30 عملية سنويا.ويستهدف التنظيم الجزائريين في شمال الجزائر، في حين يفضل مقاتلوه في الجنوب، تحت إمرة مختار بلمختار، الأجانب المتحدرين من البلدان الغربية، الذين غالبا ما ينشطون في الجمعيات الإنسانية بهذه المنطقة. ويشير الكاتب إلى أن نشاط التنظيم بالجنوب يكون بتواطؤات بعض السكان المحليين في كل من الجنوب الجزائري وشمال مالي وموريتانيا وجزء من النيجير. ويعمل هؤلاء المتواطئون على إخبار التنظيم بمكان وجود الناشطين الغربيين في العمل الإنساني.
ويوضح الكاتب أنه من خلال هذه الإستراتيجية، يسعى هذا التنظيم الإرهابي إلى تجنيد كل القبائل الموجودة في منطقة الساحل في مشروعه الإرهابي. وترتكز الإستراتيجية المتبعة من طرف هؤلاء الإرهابيين على اختطاف الناشطين الغربيين في المجال الإنساني، من أجل منع كل من يحاول أن يقدم المساعدات الإنسانية لسكان هذه المنطقة، وذلك من أجل منع أي محاولة تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بهذه المناطق بغية تسهيل عملية التجنيد، إذ لا يصبح أمام السكان المحليين سوى التعامل مع التنظيم، من خلال الاستفادة من الغنائم. لذا، يخلص الكاتب، فإن اختطاف الرهائن يمثل رهانا إستراتيجيا بالنسبة إلى التنظيم.

إعداد : عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق