دوليات

ثورة الياسمين التونسية وأثرها على دول الجوار

ما وقع في الشقيقة تونس يفرحنا ويحزننا، يفرحنا لأن العملية خلصت الشعب التونسي من رجل أجمعوا على أنه غير صالح، دكتاتوري نهب هو وزوجته وأصهاره أموال الشعب وهربوها إلى الخارج، أذاق الشعب التونسي سوء العذاب بشهادة الجميع، وجعل تونس دولة بوليسية تحكم بالنار والحديد والسوط، كما لا يجب أن ننكر أن العقول التونسية الراجحة حققت منجزات لا يمكن إنكارها في الدكتاتور زين الهاربين بن علي، تونس لها أقل نسبة من الأمية في دول المغرب العربي، متقدمة في الميدان الطبي إذ تنافس المغرب في هذا الميدان، بها شركات للتكنولوجيا الحديثة استطاعت غزو أسواق المغرب العربي خاصة السوق الموريتاني. الدبلوماسية التونسية دبلوماسية استباقية تنافس في ذلك الدبلوماسية الجزائرية، في الميدان السياحي تعرف تونس نهضة كبيرة رغم صغر مساحتها الجغرافية، فمن يزور تونس من سياح يكاد يوازي ما يزور المملكة المغربية مترامية الأطراف والمتوفرة على السياحة الصحراوية والجبلية والبحرية سواء على ضفاف البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي.
هذا ما أفرحني وأثلج صدري، أما ما أحزنني فهو أن أرى شعبا بكامله يتعذب، شباب في عمر الزهور يحرق نفسه في واضحة النهار، أمهات يبكين سوء حظ أبنائهن وفلذات أكبادهن الذين أصبحوا عرضة للبطالة والتسكع والإهانة، رجال خاب ظنهم في حكامهم ووطنهم وفقدوا الثقة في كل شيء حتى في أنفسهم، أن يصل المرء حدود إحراق نفسه أمام الملأ فذاك لا يفرح أي أحد، فإحراق النفس انتحار لا يقبله لا العقل ولا الدين. يجب أن ندافع عن حقوقنا لكن بوسائل مشروعة لا تبلغ حد الانتحار أو إحراق النفس، أخشى أن تتحول  موضة إحراق الشخص لنفسه أمام الملأ إلى موضة يلجأ  إليها بعض ضعاف العقول، فقد انتشرت هذه الظاهرة في دول المغرب العربي بشكل مخيف، أمس في تونس وبعده في الجزائر ونواكشوط ثم تهديدات أمام البرلمان المغربي، إنها ظاهرة مخيفة يجب أن نواجهها بحزم، الشغل حق للجميع ويجب على الدولة أن توفره ليكسب الكل قوت يومه بالحلال، يجب أن تشيع بيننا فكرة التكافل الاجتماعي لو أدى الأغنياء ضرائب الدولة وفريضة الزكاة وتم توزيعها توزيعا عادلا ما بقي شاب واحد بدون مورد قار يقيه من ضيق ذات اليد والتفكير في الاحتجاج الذي بلغ حد الانتحار البين.
لقد ذهب الطاغية زين الهاربين بن علي، حمل هو وزوجته وأصهاره ما خف وزنه وغلى ثمنه لكنه لم يحمل احترام ومحبة الشعب التونسي، والشعوب العربية  وشعوب العالم بأجمعها، الجميع يكره اليوم زين الهاربين ولا أحد يذكره بخير، يكفيه أنه أصبح شخصية غير مرغوب فيها، تنكر له الشعب والأهل والأصدقاء، الذين كانوا ينافقونه بالأمس يتشفون فيه اليوم فمن أحبك لشيء أبغضك لزواله، واغنم من الحاضر فما في طبع الليالي الأمن.
أتمنى أن لا يجهض البعض ثورة الياسمين في المهد، هذا المكسب الكبير يجب أن يحصد نتائجه الشعب التونسي وأن تأخذ الشعوب المغاربية والعربية والإسلامية العبرة منه، إن الثورة تأكل أهلها وهذا ما أخشاه لكي يدخل المتنافسون في تونس الخضراء في تصفية الحسابات والبحث عن المواقع الأمامية لتبقى البطالة هي هي والفقر يزداد لتزداد معه حدة الاحتجاجات التي قد تبلغ درجة الاحتقان والتناحر.
يقول البعض إن عدوى ما وقع في تونس ستنتقل كالنار في الهشيم الى الدول المغاربية على الخصوص والدول العربية والإسلامية على العموم، ولهؤلاء أقول: بالنسبة إلى المملكة المغربية الشريفة، جلالة الملك محمد السادس بمجرد اعتلائه العرش أنشأ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لإعطاء الانطلاقة لتحقيق آلاف المشاريع التنموية في البوادي والأرياف والمدن والبوادي حيث انخرط السكان بكل أطيافهم: شباب، وشابات، وكهول ونساء في تحقيق مشاريع تدر عليهم دخلا يجعلهم يعيشون عيشة شريفة كريمة.
أما في الجزائر الشقيقة فنحن نأسف لأن حكامها الذين يتوفرون على مئات ملايير الدولارات بفضل الطفرة النفطية، بدل أن يستثمروا في العنصر البشري والمشاريع المدرة للدخل، يشترون الأسلحة التي ما زلنا لم نعرف إلى صدور من سيوجهونها، إننا لا نريد بشقيقتنا الجزائر سوء فما يصيبها من سوءا يؤثر علينا في المغرب الأقصى، فعندما عانت الإرهاب لعدة سنوات وصلنا لهيب معاناتها في أطلس اسني بمراكش وفندق فرح بالدار البيضاء، متمنيا أن يأخذ الحكام في الجزائر الشقيقة العبرة مما وقع في تونس، لأن الشعب الجزائري اليوم كالعيس تحمل الماء فوق ظهورها ويقتلها الظمأ.
أما في موريتانيا الجارة الشقيقة فإن سفينة الديمقراطية تشق عباب البحر بإصرار وثقة في النفس لولا الأمواج العاتية لمعارضة تتحين الفرص بالنظام وتتمنى لو غرقت السفينة أو قذفت بها الأمواج خارج اليابسة، ومن بعدي الطوفان.

عبد الله حافيظي الإدريسي (باحث)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق