مطالب سياسيين وحقوقيين اصطدمت بعقبة وزير العدل والحريات تميزت السنة التي نودعها، بارتفاع الأصوات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، والدفاع عن هذا المطلب من قبل السياسيين والحقوقيين، وتعارض ذلك مع موقف الحكومة. وبلغت درجة النقاش، العودة إلى الصفر، بعد أن أعرب مصطفى الرميد وزير العدل والحريات، عن الموقف صراحة في حديثة أمام مجلس المستشارين، في الأسبوع الأول من دجنبر الجاري، عندما قال إن إلغاء عقوبة الإعدام من التشريع المغربي ليست أولوية بالنسبة إلى الحكومة الحالية ، معتبرا أن وزارته ستعمل على تضييق الحالات التي سيصدر في حقها حكم الإعدام وحصرها في الجريمة الخطيرة فقط. وبرر الوزير موقف الحكومة حالة حديثة لمتهم أدين أدين بالإعدام، وعند اطلاع الرميد على ملفه القضائي تبين له أن المدان سبق أن ارتكب جريمة قتل مطلع السبعينات، ثم أخرى داخل السجن، واستفاد من العفو، بعد قضائه عقوبة مدتها 32 سنة، ليغادر السجن ويرتكب جريمة قتل ثالثة. وتساءل الرميد : بماذا يجب أن نحكم على هذا الشخص؟موقف الرميد الذي أعطى مثالا لحالة مجرم استثنائي، قوبل بمواقف أخرى رافضة له، لدرجة أن أحزاب المعارضة بمجلس النواب تكتلت ضد الرميد عند أولى مراحل المسطرة التشريعية الهادفة إلى إلغاء عقوبة الإعدام، خصوصا أن المطلب يتمتع بدعم عدد مهم من نواب الأغلبية في إطار شبكة «برلمانيات وبرلمانيين ضد عقوبة الإعدام».كما تم تقديم اقتراح قانون يعدل القانون الجنائي ويلغي عقوبة الإعدام، وذلك ردا على ما اعتبرته تماطل الحكومة في فتح ملف إصلاح المنظومة القانونية والقضائية، بما يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان، كما التزمت بها الدولة المغربية. ويحمل الاقتراح توقيعات نواب المعارضة والأغلبية، وذلك في شخص خديجة الرويسي رئيسة شبكة برلمانيات وبرلمانيين ضد عقوبة الإعدام عن الأصالة والمعاصرة، ومحمد عامر وحسناء أبو زيد عن الاتحاد الاشتراكي، وعادل تشيكيطو عن حزب الاستقلال، وفوزية الأبيض عن الاتحاد الدستوري، ونزهة الصقلي عن التقدم والاشتراكية. موقف الحكومة الحالية أعاد النقاش إلى نقطة الصفر سيما بعد حسم وزير العدل والحريات بأنه لن يتم إلغاء العقوبة في عهد الحكومة الحالية، أي الحكومة التي يقودها حزب المصباح.وعمليا فإن المغرب أوقف تنفيذ العقوبة منذ 20 عاما. كما نص الدستور على حماية الحق في الحياة، وتجريم التعذيب وكل المعاملات القاسية واللاإنسانية، وهو الأساس القانوني الذي دفع الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام إلى اعتبار أن الوضع الدستوري المرتبط بالحق في الحياة سيبقى معلقا، ما لم تتم ترجمته من خلال ملاءمة القوانين الجنائية، وما دامت المحاكم تستمر في النطق بأحكام الإعدام، دون اعتبار لأسمى قانون في البلاد.وخرجت الأحزاب بتصريحات مضادة لموقف الحكومة، إذ أن إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، قال إن إلغاء عقوبة الإعدام سيجعل المملكة تضيف إلى تجربتها المشرقة في طي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تجربة أخرى تطوي من خلالها صفحة التأويل البدائي لمفهوم العقاب.كما دعت خديجة الرويسي، البرلمانية وقيادية الأصالة والمعاصرة، إلى ما وصفته «أنسنة العقاب كيفما كانت الجريمة»، مُنتقدة القوى المحافظة في موقفها ضد حقوق الإنسان في المغرب.واعتبر الحبيب بلكوش، رئيس مركز الديمقراطية وحقوق الإنسان، أن المغرب في حاجة اليوم إلى الالتحاق بنادي الدول، التي ألغت عقوبة الإعدام، لأنها عقوبة بشعة وتمسّ بحق الإنسان في الحياة، ولأن التجارب المتقدمة أظهرت أن الاحتفاظ بها لا يحد من الجرائم.أما المحجوب الهيبة، المندوب الوزاري لحقوق الإنسان، فاعتبر أن المملكة المغربية انخرطت في حماية حقوق الإنسان والنهوض بها باعتبارها خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه، مضيفا أنّه «لا بد من إلغاء عقوبة الإعدام، والسير في الاتجاه العالمي في هذا المجال». وأن إلغاء هذه العقوبة سيؤدي إلى تخصيب الحقل الحقوقي، وسينعكس على فلسفة العقوبة في حد ذاتها.ويبلغ عدد المحكومين بالإعدام في المغرب، 114 مدانا، وكشفت دراسة أنجزتها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالتعاون مع الجمعية الفرنسية «معا ضد عقوبة الإعدام» والائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، أن 35 في المائة من المحكومين بالإعدام في السجون المغربية يفكرون في الانتحار أو تنتابهم الرغبة في تنفيذ العقوبة ضدهم.وأشارت الدراسة أيضا إلى أن 67 في المائة من المحكومين بالإعدام يعانون من أمراض عقلية مزمنة، وأن أغلب تلك الأمراض كان بالإمكان أن يترتب عنها إسقاط أي مسؤولية جنائية أثناء المحاكمة، مشيرة إلى أن المحكمة إما أنها لم تلجأ إلى خبرة طبية، أو أنها لم تطالب بخبرة طبية تحدد الحالة العقلية للمتهم وقت ارتكاب الجريمة.المصطفى صفر