ميلود بلقاضي أستاذ العلوم السياسية قال إن رسائل بوتفليقة تجاوزت كل الحدود بشكل لم يسبقه إليه أي رئيس جزائري وصف ميلود بلقاضي، أستاذ العلوم السياسية، رسالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى اجتماع أبوجا بـ"أخطر ما أنتجه الفكر السياسي الرئاسي بالجزائر من خطابات منذ قيام الجمهورية"، وأنها زعزعت كيان العلاقات المغربية الجزائرية بشكل عاد بها إلى الدرجة صفر. وأكد بلقاضي في حوار مع "الصباح" أن التصعيد الجزائري ضد مقدسات المغرب يرتبط بعاملين، داخلي يهم النظام، وخارجي يترجم تخوف المحيط الرئاسي الجزائري من المنهجية المغربية الجديدة في المجال الدبلوماسي. في ما يلي نص الحوار: ما هي قراءتكم للتصعيد الجزائري الأخير ضد المغرب؟ من الثابت في العلاقات المغربية الجزائرية أنها ترتبط بطبيعة الوضع السياسي بالجزائر، فكلما اختنق النظام الجزائري اختار التصعيد ضد المغرب لإخفاء أزماته الداخلية. لكن هذه المرة اتخذت عملية التصعيد ضد المغرب منحى جديدا تمثل في رسائل الرئيس الجزائري إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى لقاء أبوجا بنيجيريا. رسائل تجاوزت كل الحدود ولم تصدر من أي رئيس جزائري سابق، إذ أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة اتهم المغرب ومؤسساته باتهامات خطيرة وخرج عن موقف الحياد في قضية الصحراء المغربية الى موقف الناطق الرسمي باسم أعداء الوحدة الترابية. رسائل عرت حقيقة النخبة المحيطة بالرئيس الجزائري، والتي تريد أن تورط القيادة المقبلة التي ستقود زمام الأمور بالجزائر، ما بعد رحيل بوتفليقة، لكي تبقى منشغلة بقضية الصحراء على حساب بناء المغرب العربي الكبير، وحتى تقطع الطريق أمام أي مسؤول جزائري يريد أن يبحث عن حل سلمي وسياسي ونهائي لقضية الصحراء المفتعلة.وكان من المتوقع، بعد الفراغ المؤسساتي والسياسي الذي يعرفه النظام الجزائري وتدبير الرئيس الحالي أمور الجزائر بالوكالة أن تصعد الجزائر من حملاتها المغرضة ضد المغرب، خصوصا بعد الانتصارات السياسية والدبلوماسية التي حققها مؤخرا. وعليه كنت أنتظر، بعد دخول بوتفليقة الغيبوبة السياسية أن تعرف العلاقات المغربية الجزائرية هذه التطورات المؤلمة، وان تستغل النخبة المحيطة به المعادية للمغرب كل وسائل الدولة الجزائرية للإساءة للمغرب، بل إنني أتحفظ على قدرة بوتفليقة الفكرية والعقلية ليصوغ مضامين رسائله الهجومية على المغرب، سواء تلك التي وجهت إلى أبوجا، أو تلك الموجهة إلى الأمم المتحدة. هل أنتم مع الرأي الذي يقلل من شأن ذلك، ويعتبر أن موقف الجزائر ثابت لم يتغير منذ بداية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية؟ ليس في السياسة مواقف ثابتة، ما دام الفاعل السياسي يتأثر بالمحيط التي تجري فيه معارك السياسة، ومواقف الجزائر من قضية الصحراء معروفة، لكنها لم تصل إلى حد الوقاحة السياسية التي تحدثت بها رسائل الرئيس الجزائري المريض ووسائل إعلام نظامه عن مقدسات البلاد. فالرئيس الجزائري وحاشيته وسعا دائرة الصراع والعداء للمغرب بتحويرها من دائرة الخلاف حول الصحراء إلى الهجوم على ملك البلاد، وهنا تكمن خصوصية وخطورة هجوم الجزائر الأخير على المغرب ومؤسساته، عبر استغلال مرض الرئيس الجزائري لإجهاض أي محاولة صلح مستقبلية تقرب وجهات النظر بين المغرب والجزائر، بعد الرحيل البيولوجي للرئيس الحالي، والذي يمكن القول إنه ودع السياسة منذ سنوات، وأصبح رئيسا عجوزا لا يستطيع الحركة أو الوقوف، فما بالك بتدبير شؤون دولة ومتابعة الصراع حول الصحراء المغربية. هل يمكن أن تكون للأمر علاقة بالوضع الداخلي الحالي للجارة الشرقية؟تعتبر رسالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى اجتماع أبوجا من أخطر ما أنتجه الفكر السياسي المؤسساتي الرئاسي الجزائري من خطابات ورسائل منذ قيام الجمهورية الجزائرية، رسالة تتكون من 1542 كلمة، لكن كل كلمة فيها جاءت على شكل صاروخ جعلت العلاقات المغربية الجزائرية تتزعزع بشكل مفاجئ، وتعود إلى درجة الصفر. ويرتبط هذا التصعيد الجزائري ضد المغرب ومقدساته بنوعين من العوامل:أ- عامل داخلي يرتبط بالنظام الجزائري ذاته، وبالخصوص بالمؤسسة منتجة الرسالة التي تستغل شلل الرئيس الجزائري الفكري والسياسي والبيولوجي لوأد ولإجهاض أي إمكانية تقارب بين المغرب والجزائر بعد رحيل بوتفليقة، وهي إستراتيجية كانت متوقعة من طرف اللوبي المستفيد من الوضع لتوريط القيادة الجزائرية المقبلة بعد رحيل بوتفليقة في قضية الصحراء لتبقى في وضعها الحالي. وهذا ما أشار إليه الكاتب الجزائري محمد سيفاوي في كتابه المعنون "بوتفليقة خدامه وأسياده" الذي تفاءل منذ 2011 بقرب سقوط نظام بوتفليقة، لأنه يحمل في ذاته كل مؤشرات الانهيار، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يتحدث الكتاب عن أعمار الساسة الجزائريين وجنرالاتهم فيجد معدل أعمارهم في سنة 2011 تاريخ كتابة الكتاب 73 سنة، فيما معدل عمر الشعب الجزائري هو 35 سنة، دون نسيان الصراع الخفي بين أجنحة الحكم بالجزائر بالإضافة إلى أزمات خطيرة تعيشها الجزائر بفعل صراع الأجهزة واستفحال الفساد والرشوة، ذلك أن الجزائر تحتل اليوم الرتبة 136 في لائحة الدول الأكثر فسادا، ولعل الفضائح المستمرة التي تعرفها شركة "سوناطراك" وهي الشركة الجزائرية الكبرى المتخصصة في الطاقة والغاز والتي عين فيها الرئيس الجزائري احد أصدقائه شكيب خليل والمطلوب اليوم للعدالة الجزائرية بتهم الفساد ونهب المال العام خير دليل على ذلك.كما أن الكتاب يتطرق بشكل كبير إلى تنامي النفوذ العائلي في المربع الرئاسي الجزائري، مع صعود اسم سعيد بوتفليقة، والذي يرتبط اليوم بجميع الصفقات الاقتصادية والتسلحية، التي تعرفها الجزائر في السنوات الأخيرة، مما أدى بالجزائريين إلى القول بأن في تونس هناك ليلى الطرابلسي، وفي الجزائر سعيد بوتفليقة، بل إن ترشح بوتفليقة وهو شبه ميت وصف بالعار، لأنه رئيس مريض يمارس الأنشطة الرئاسية بالوكالة. لذلك فالنظام الجزائري أراد تصدير الأزمات إلى الخارج، إذ هناك قاعدة أصبحت شبه ثابتة تطبع علاقة الجزائر مع المغرب ألا وهي أنه كلما اشتدت الأزمة السياسية في الجارة الشرقية، إلا وسعى حكامها إلى تصريفها بالإساءة إلى المغرب من خلال إصدار تصريحات استفزازية في محاولة منهم لصرف أنظار الرأي العام الجزائري عما يجري بالجزائر التي تمر بفراغ مؤسساتي وسياسي.ب - عامل خارجي: سلوك النظام الجزائري تجاه المغرب يؤكد بالملموس تورط الجزائر في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لتصريف الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة التي تمر منها الجزائر، من خلال صرف أنظار الرأي العام الجزائري عنها أولا. وعدم قبول المحيط الرئاسي الجزائري منهجية المغرب الجديدة في المجالين الدبلوماسي والإعلامي للتعريف بعدالة قضية وحدته الترابية؛ وهو أمر لم يهضمه الرئيس الجزائري، وهو على أهبة الموت، وهو الرئيس الذي كان يحلم بأن لا يموت قبل إقامة الجمهورية الصحراوية المزعومة ثانيا، وعدم قبول الجزائر إشادة المجتمع الدولي بنجاح المغرب في سياسته التنموية باقاليمه الصحراوية ثالثا.والعودة القوية للمغرب في عمق الدول الإفريقية بفضل سياسة ملك البلاد الذي عمل على تقوية علاقات دول جنوب- جنوب رابعا. بوتليقة حول المنطقة إلى برميل بارود الجزائر تطمح منذ عقود – ضمن صراع إقليمي وجيو سياسي بالمنطقة أن تصبح الدولة القوية بشمال إفريقيا، وهو مكان ما يزال يفرض عليها تسخير كل إمكانياتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والطبيعية لإضعاف المغرب بهدف هيمنة محلية وإقليمية لا يمكن للجزائر تحقيقيها إلا بإضعاف المغرب. فأهداف الجزائر من الصراع مع المغرب واضحة وشعارها العريض هو تقزيم وإضعاف المغرب لتصبح الدولة الرائدة بشمال إفريقيا.كما أن الجزائر تعاني تاريخيا من عقدة اسمها المغرب، وتعتبره كيانا يهدد مصيرها. إنها عقدة تاريخية تتحكم في ماضي وحاضر ومستقبل قادة الجزائر، لذلك فالصراع الجزائري مع المغرب يتجاوز مسألة الصراع حول قضية الصحراء إلى صراع جيو سياسي يستمد جذوره التاريخية من عقدة جزائرية اتجاه المغرب وخصوصا قياداته . وهذا ما صرح به الرئيس الجزائري هواري بومدين 29 ماي 1975 حين قال: "نعم إن قضية الصحراء تهم بلادنا لأنها موجودة على حدودنا وتمثل خطرا على أمن ثورتنا وأمن بلادنا". أولا المغرب لم يسحب سفيره من الجزائر بل استدعاه للتشاور. وكان منتظرا أن يقوم المغرب بذلك، بعد مضمون رسالة الرئيس الجزائري للمشاركين في المؤتمر الإفريقي للتضامن –مع ما يسميه النظام الجزائري بالقضية الصحراوية- حيث أبان الرئيس الجزائري وحاشيته عن حقد مطمور اتجاه المغرب حجبه منذ عقود. والمتأمل في مضمون بلاغ وزارة الشؤون الخارجية التعاون المغربية سيدرك أنه قرار يتعلق باستدعاء السفير المغربي للتشاور وليس السحب، وهو سلوك دبلوماسي وآلية احتجاج دبلوماسية ضد انحياز الجزائر والتطور الخطير للاستفزازات الجزائرية ضد المغرب .لكن ورغم خطورة المواقف الجزائرية فالقرار الاحتجاجي المغربي باستدعاء سفيره للتشاور، لم يصل بعد إلى مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وهو نضج كبير من الدولة المغربية تجاه دولة شقيقة متشبثة – بسبب عقدتها من المغرب- بجعل شمال إفريقيا برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، وتجعل كل من المغرب والجزائر يفقدان نقطتين بالنسبة إلى النمو سنويا . المغرب مطالب بالاستعداد لكل الاحتمالات بصفة عامة على المغرب أن يستعد لكل الاحتمالات بعد رحيل بوتفليقة وقد يزداد عند النخبة الجزائرية التي ستعوض بوتفليقة هاجس الانتقام من المغرب، وسيكبر حلمها بفكرة لعب دور القائد في شمال إفريقيا واستدراج المغرب للدخول في صراعات هامشية. لقد صدمت النخبة العسكرية الجزائرية بفشل الرئيسين الجزائريين الهواري بومدين وعبد العزيز بوتفليقة في تحقيق فكرة الهيمنة وتحقيق مشروع الجمهورية الصحراوية الوهمية على أراض مغربية، رغم استفادتهما من هذا الوضع - خصوصا وأنها تشهد نهاية أحد صقور القادة الجزائريين الأقوياء – لذلك من المتوقع أن تغير القيادة الجزائرية المقبلة إستراتيجيتها تجاه المغرب، لأنه بعد فشل الجزائر في سياسة حرب الرمال واستغلال بعض المعارضين لنظام الراحل الحسن الثاني واحتضان أعضاء جبهة بوليساريو وإقامة الجمهورية المزعومة ستختار مجال حقوق الإنسان لتوسيع دائرة التصعيد مع المغرب .لذلك على المغرب أن يعمل على أكثر من واجهة: وطنيا :تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الديمقراطية التشاركية، وتوسيع واحترام حقوق الإنسان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ قيم الحكامة والتعامل مع المواطن الصحراوي مواطنا عاديا له حقوق ووعليه واجبات، مع إلزام كل المؤسسات أن تصبح واجهة للدفاع عن قضية الوحدة الترابية وتحويل قضية الصحراء من ملف مغلق تدبره المخابرات والسياسيون والديوان الملكي إلى ملف مفتوح أمام الشعب، وجهويا توطيد العلاقات الثنائية مع موريتانيا وليبيا وتونس وإسبانيا وفرنسا ودول الجنوب ودوليا مع كل دول مجلس الأمن. أجرى الحوار: ياسين قُطيب