الجائحة عرت المتطرفين وأظهرت استعدادهم للمخاطرة بأرواح الآخرين وجد جزء كبير من الفقهاء ورجال الدعوة، وكل من لهم ارتباط أو مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الدين، أنفسهم أمام معضلة أخلاقية كبيرة، فرضت عليهم التحلي بالوضوح، وحسم الاختيار، بين حفظ حياة الإنسان وبين حفظ دين الله. وكانت الأشهر الأولى من انتشار جائحة كورونا، كافية من أجل رسم صورة واضحة عن الفقهاء ورجال الدين، وتصنيفهم بين منتصر لقيمة الحياة، ومدافع عن الدين، ولو فرضت نصرته تقديم الناس قرابين. وانقسم رجال الدين إلى طائفتين، الأولى تروج للخطاب المعتدل، وتدعو الناس إلى الامتثال إلى قرار السلطة ووصايا الأطباء، والثانية تمردت على الخطاب العلمي، ودعت بشكل صريح إلى عدم إغلاق المساجد، وطالبت بإقامة صلاة التراويح والجمعة وصلاة العيد وغيرها. ولم تربح طائفة المتطرفين معركتها ضد الدولة، لأن السلطات وضعت الدين جانبا، وجندت العلماء والأطباء والمتخصصين لمواجهة الفيروس، غير أن هذه الفئة عمدت إلى دغدغة مشاعر المتدينين، وحرضت ضد قرارات السلطة، ودفعت بالمتدينين إلى الشارع للاحتجاج، وأطلقت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن رجل الدين بشكل عام وجد نفسه دون عمل، وتراجع تأثيره وتأطيره بشكل كبير، وأصبح يعاني العطالة المفروضة، وشعر أن مصالحه المباشرة على حافة الانهيار. ولم يتحرج رجال الدين من دفع الناس إلى المخاطرة بأنفسهم، رغم أنهم على علم بأن الموت ينتظرهم، خاصة أن الجميع كان على اطلاع بما وقع في تجمعات دينية وطنيا ودوليا، إذ خسرت الطائفة اليهودية عددا غير يسير من أعضائها، حينما أقامت حفلا دينيا بالبيضاء، الأمر نفسه في إحدى الدول الأوربية، التي مات فيها متدينون مسيحيون، اختاروا الذهاب إلى الكنيسة في عز انتشار الفيروس. وتحيل هذه المعطيات على قيمة الحياة لدى المتدينين المتطرفين، إذ تبين أنها لا تساوي شيئا أمام الدين والمعتقد، ففي وقت يجمع فيه رجال الدين أن الشعائر حاجة روحية، تخدم الإنسان وتساعده على الاستقرار النفسي، رغم أن هذا الأمر نسبي، اتضح العكس تماما، لدى فئة المتطرفين، التي جعلت الإنسان في خدمة الدين، ومستعدة لتقديم المتدين قربانا، مقابل استمرار أداء الشعائر بشكل جماعي. وأصبحنا اليوم أمام أسئلة عميقة تتعلق بعلاقة الفرد بالدين، وطرحت علامات استفهام حول الكثير من المسلمات، من قبيل أن المسلمين خير أمة أخرجت للناس، وأن الوحي يتمتع بحماية ربانية، وأن الله يتدخل لنصرة دينه، حينما يدير له الإنسان ظهره، وبالفعل كان الكثير من المتدينين البسطاء، ينتظرون تدخلا إلهيا، لإنهاء إغلاق المساجد. وما لا يدركه المتدينون البسطاء وليس فقط المسلمون، هو أن صفة رجل دين، مهنة ونفوذ ومصلحة، وأن ممتهنيها والناطقين باسم الوحي والإله، تحركهم اعتبارات ومصالح دنيوية أكثر منها دينية، وأن الفقهاء مثلهم مثل أي نقابة مهنية، ستدافع عن مصالحها ورزقها، وأنهم يبالون بأمور الدنيا أيضا. ورغم أن البنية الذهنية للمتطرفين خطيرة، وتشجع على الانتحار بشكل غير مباشر، إلا أن "فقهاء السلطة" أو المعتدلين كما يوصفون، لا يختلفون عن المتطرفين كثيرا، وأن دعوتهم لإقامة الشعائر في المنازل بشكل فردي، غير نابع بالضرورة من قناعة ومبدأ، لكنه ببساطة متأثر بمصالح أيضا، إذ يطرح السؤال حول ماذا كان سيكون موقف هؤلاء، لو أن الدولة أصرت على فتح المساجد، حتما كانوا سيجدون في الدين ما يبررون به موقف الدولة. إن الحديث عن رجال الدين والفقهاء، ووضعهم في سلة واحدة، والتعامل معهم مثل كتلة واحدة بنوع من التعميم، يعكس قصر النظر، إذ أن جزءا يسيرا من الفقهاء لهم مبادئ ولا يحكمون المصالح دائما، إلا أن السواد الأعظم لرجال الدين سواء كانوا متطرفين أو معتدلين، لا يتحرجون من استعمال الدين لخدمة مصالحهم الشخصية، ومعظمهم يلوون عنق الآيات ويطوعونها لدحض أو تزكية مواقف معينة. عصام الناصيري