حوادث

دراسة في القانون : قراءة في الخطاب الملكي حول إصلاح المنظومة القضائية

مهمة البرلمان اعتماد القوانين التنظيمية الخاصة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية

تضمن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لعيد العرش، إشارات شاملة عن مختلف جوانب الدولة الداخلية والخارجية، العمودية والأفقية، القطاعية والإستراتيجية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية ، بشكل يجعل أي راغب بتتبع شؤون المغرب يكتفي ويشفي غليله حين يقرأ مضامينه
 ويغترف من معين ما حواه من خلال جولته على مختلف المنجزات؛ خاصة الأوراش والإصلاحات السياسية والمؤسساتية.

لعل طرحنا لوسائل الإعلام نابع من الدور الكبير الذي تلعبه في التأثير على الرأي العام، سيما ما يتعلق بالحراك، إذ أن نسبة كبيرة من الجمهور العريض تعتمدها مصدرا للمعلومة، فإذا كان صحيحا أن الإعلام وحده لا يصنع التغيير، إذ التغيير هو نتاج إرادة عامة يحركها دافع الناس الطبيعي نحوه، إلا أن الإعلام هو أداة هامة في عهد الربيع القضائي من مجموعة أدوات لتحقيق ذلك، وكما قال يوما ميشيل فوكو: «الثورة الإيرانية انتشرت بشريط الكاسيت» وبالتالي فهو لم يقل إن شريط الكاسيت (الذي كان في حينه إعلاما بديلا) هو الذي صنع الثورة، إلا أننا نقول إن فكر التغيير دون وسائل الإعلام قد يبقى محصورا في نطاقه المناطقي الضيق .
2ــ الاحتجاج :  
ينص الفصل 111 من الدستور على أنه:
« للقضاة الحق في التعبير …يمكن للقضاة الانتماء إلى جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية …»
  ومن خلال جمعيتنا «نادي قضاة المغرب» فإننا أرجأنا الاحتجاج إلى ما بعد انتهاء الحوار الوطني الذي أطلقه ملك البلاد، والذي أعطى توجيهاته الكبرى من خلال ما جاء في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية التاسعة يوم الجمعة 12 أكتوبر من سنة 2012 بقوله: «أما الإصلاح القضائي، فاعتبارا لبعده الإستراتيجي، فإنه يتعين فيما يرجع إلى مهمة البرلمان اعتماد القوانين التنظيمية الخاصة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة. وهنا نود مجددا أن ندعوكم إلى الالتزام الدقيق بروح ومنطوق مقتضيات الدستور المتعلقة بالسلطة القضائية كما نحث الهيأة العليا للحوار حول إصلاح المنظومة القضائية على أن تجعل من استقلاليته الحجر الأساس ضمن توصياتها…» . خاتما حديثه عن وجوب وضع قوانين تنظيمية بعبارة : «بعيدا عن الأحكام الجاهزة والحسابات الضيقة».
   ويضفي الخطاب الرسمي طبيعة جماعية وتوافقية على أي مشروع يطلقه الملك تحت عبارة « إنه مشروع الملك» ، وهو غير قابل للنقاش أو للمناقشة أو للمحاسبة، وما على باقي الفاعلين الثانويين سوى العمل على تطبيقه والاجتهاد في حسن تأويله وتجسيده.
وهكذا فإن المقرر دوما أنه إذا نجح  أي مشروع أطلقه الملك، إن كلا أو بعضا، فالفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى له لأنه هو من سطر الأهداف والغايات، أما إذا لم يقدر لمشروع ما أقره ملك البلاد التحقق أو اعترضت سبيله عوائق، فإن المسؤولية تقع على الهيآت والمؤسسات التي قد تكون، في هذه الحالة، حادت عن التوجهات الملكية أو أنها لم تجتهد في تطبيقها على الوجه المطلوب. وسيرا على الفهم نفسه، فإذا أعدمنا الوسيلة الفكرية لإيصال مطالبنا لن يبقى أمامنا إلا «أبغض الحلال لدينا» والذي أرجأناه إلى حين انتهاء الحوار الوطني حول إصلاح العدالة الذي أطلقه الملك، فلم نترك لمن أفشلوا الحوار حجة علينا، وهو سلوك الأشكال الاحتجاجية التي أقرها المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب ليوم 05 ــ 05 ــ 2012 .
أليس الاحتجاج واحدا من وسائل التعبير وإبداء الرأي الأربعة المتمثلة : في وسائل فردية ووسائل جماعية، ووسائل شفهية وأخرى مكتوبة ؟؟؟ وكلنا يتذكر احتجاج القضاة بفرنسا، حين أعلنوا سنة 2011 حركة احتجاج غير مسبوقة مع تأجيل كل الجلسات حتى التعبئة الوطنية، بسبب انتقادات ساقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بعد مقتل شابة فرنسية، محملا القضاة ورجال الشرطة مسؤولية مقتل الشابة الفرنسية «ليتيسيا» التي عثر على جثتها مقطعة ومرتكب الجريمة شخص من أصحاب السوابق، وأعرب اتحاد نقابات القضاة في فرنسا عن أسفه «لأن رئيس الدولة ومرة جديدة بداعي الغوغائية والشعبوية، يستخف بالقضاة» . فأضربت، إثر ذلك، المحاكم الفرنسية عن العمل تضامنا مع القضاة في مدينة «نانت» غرب البلاد .
وبمصر، حين اعتزم مجلس الشورى (السلطة التشريعية) خلال السنة الجارية مواصلة مناقشة مشروع قانون جديد للسلطة القضائية عم غضب وسط القضاة، بعد أن كان الملف قد شهد بعض الانفراج عقب إعلان رئاسة الجمهورية عن تنظيم «مؤتمر للعدالة» يتولى صياغة مقترحات بشأن تعديل القانون . فأعلن مجلس القضاء الأعلى في اجتماع طارىء تأجيل الأعمال التحضيرية لمؤتمر العدالة الثاني، لحين «وضوح الرؤية في ما هو معروض على مجلس الشورى من تحديد جلسة لمناقشة تعديل قانون السلطة القضائية»، وأشار المجلس في بيان له عقب الاجتماع  إلى أنه استعرض ما يدور بمجلس الشورى من استمرار عرض المقترحات الخاصة بتعديل قانون السلطة القضائية، وتحديد جلسة عاجلة لنظره «بما يتعارض مع مقتضيات انعقاد مؤتمر العدالة». وأوضح أن قراره بتعليق الأعمال التحضيرية لمؤتمر العدالة جاء في أعقاب الاتصال والتشاور مع رؤساء الهيآت القضائية المختلفة؛ وهي المحكمة الدستورية العليا، ومجلس الدولة، وهيأة قضايا الدولة  وهيأة النيابة الإدارية. ومن جهته أعلن «نادي قضاة مصر» مقاطعته التامة لمؤتمر العدالة الثاني المزمع عقده وعدم المشاركة في فعالياته حال انعقاده بأي صورة من الصور، وهكذا فقد توافد العديد من رجال القضاء على نادي القضاة بشارع شامبليون بالقاهرة، للاعتصام داخل النادي احتجاجا على مشروع قانون السلطة القضائية .
وأكد المستشارون أن ذلك الاعتصام هو بداية لبعض الخطوات التصعيدية التى سيتم اتخاذها من أجل وقف مناقشة مشروع السلطة القضائية من قبل مجلس الشورى، لأن ذلك يمثل تحديا لإرادة القضاة وعدوانا عليهم بالمخالفة للدستور والقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها مصر.
وقال المستشار محمد عبد الهادى» وكيل اللجنة الإعلامية لنادي القضاة» فى تصريحات لـ”مصراوي”، إن اعتصام القضاة هو تعبير عن اعتراضهم على ما يدبر ضد السلطة القضائية نتيجة محاولة تمرير تشريعات مشبوهة تهدف إلى إقصاء آلاف القضاة وتهدف إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم .
وقال سامي زين الدين، رئيس محكمة جنايات بالقاهرة، إن اعتراض القضاة على قانون السلطة القضائية الذي يناقشه مجلس الشورى، ووصفته اللجنة التشريعية بأنه «لا يمت لاستقلال القضاء من قريب أو بعيد، ولكنه يضع القضاء المصري في قبضة السلطة التنفيذية، وتجعل منه أداة لبطش المواطنين، والعصف بالحقوق والحريات»، وأضاف أن اعتصام القضاة طريق شرعي من طرق الاحتجاج، مؤكدا أن قانون السلطة القضائية الذي يناقشه مجلس الشورى مخالف للدستور.
وبتونس، خاض القضاة خلال السنة الماضية إضرابا لمدة ثلاثة أيام. وقالت رئيسة جمعية القضاة التونسيين كلثوم كنو، إن الإضراب الذي نفذه القضاة هو: «محاولة للضغط على المجلس الوطني التأسيسي من أجل بعث هيأة وقتية للقضاء تضمن استقلالية السلك وتحل محل المجلس الأعلى للقضاء».
وبليبيا، قام أعضاء الهيآت القضائية والمحاكم والنيابات ومؤسسات المجتمع المدني خلال الأشهر الأخيرة بتنظيم وقفة احتجاجية واعتصام؛ بسبب استهداف عدد من القضاة الليبيين مؤخرا من قبل التنظيمات المسلحة.
بقلم: ذ. عبد الله الكرجي, عضو مؤسس لنادي قضاة المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق