حوادث

دراسة في القانون: سحب القرارات الإدارية في الفقه والقضاء (2/2)

 

القرار الإداري الناتج عن غش وتدليس غير جدير بالحماية

 

لقد حفزني على الكتابة في الموضوع التساؤلات الفقهية والقانونية التي طرحها المهتمون بالشأن القانوني والاجتماعي حول مشروعية سحب قرار العفو الصادر
عن جلالة الملك بوصفه سلطة إدارية، الذي نعتبره أمرا عاديا تجريه السلطة الإدارية في ممارساتها ومسلكياتها الإدارية
 لدواعي المصلحة العامة بإصدارها للقرار المضاد.

 

يمكن سحب القرارات المؤقتة، كقرارات الترخيص التي لا تكتسي إلا وضعا مؤقتا، متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، أو تغيرت الظروف التي صدر على أساسها القرار أو وقع الإخلال بالالتزامات المفروضة بمقتضى القرار المؤثر في المركز القانوني، ما لم يكن السحب مشوبا بعيب الانحراف في استعمال السلطة.

سحب القرارات غير المشروعة
إذا كان الأصل أنه يحق للإدارة أن تصحح الأوضاع المخالفة للقانون، فإن دواعي الاستقرار، تقتضي أيضا، أنه إذا صدر قرار إداري فردي معيب بعيوب المشروعية وتولدت عنه حقوق مكتسبة، فإن هذا القرار يجب أن يستقر عقب فترة معينة من الزمن، ويسري عليه ما يسري على القرار الصحيح الذي يصدر في ذات الموضوع، ومن تم فالقرارات الفردية غير المؤقتة لا يجوز سحبها، ولو كانت مشوبة بعيب عدم المشروعية، إلا خلال الستين يوما من تاريخ صدورها، متى انقضى هذا الميعاد اكتسب القرار حصانة تعصمه من أي إلغاء أو تعديل، ويصبح عندئذ لصاحب الشأن حق مكتسب فيما تضمنه القرار، وكل إخلال بهذا الحق بقرار لاحق يعد أمرا مخالفا للقانون يعيب هذا القرار، ويجعله قابلا للإلغاء، إلا أن ثمة استثناءات من موعد الستين يوما تتمثل، أولا في ما لو حصل أحد الأفراد على قرار إداري نتيجة غش أو تدليس من صاحبه، أو شاب القرار خطأ مادي صرف، فهاته الأحوال الاستثنائية تجيز سحب القرار دون التقيد بموعد الستين يوما، فتصدر جهة الإدارة قرارها بالسحب، اعتمادا على الاستثناء المذكور في أي وقت كان.
وهكذا جاء في قرار للمحكمة الإدارية العليا المصرية صادر بتاريخ 25-6-1974»إن القاعدة المستقرة هي أن القرارات الإدارية التي تولد حقا أو مركزا شخصيا للأفراد، لا يجوز سحبها في أي وقت متى صدرت سليمة، وذلك استجابة لدواعي المصلحة العامة التي تقتضي استقرار تلك الأوامر، أما بالنسبة إلى القرارات الفردية غير المشروعة، فالقاعدة عكس ذلك، إذ يجب على جهة الإدارة أن تسحبها التزاما منها بحكم القانون، وتصحيحا للأوضاع المخالفة له، إلا أن دواعي المصلحة العامة أيضا، تقتضي أنه إذا صدر قرار معيب من شأنه أن يولد حقا، فإن هذا القرار يجب أن يستقر فترة معينة من الزمن، بحيث يسري عليه ما يسري على القرار الصحيح الذي يصدر في الموضوع ذاته، وقد اتفق على تحديد هذه الفترة بستين يوما من تاريخ نشر القرار أو إعلانه، قياسا على مدة الطعن القضائي، بحيث إذا انقضت هذه الفترة اكتسب القرار حصانة، تعصمه من أي إلغاء أو تعديل ويصبح عندئذ لصاحب الشأن من حق مكتسب فيما تضمنه القرار، وكل إخلال بهذا الحق بقرار لاحق يعد أمرا مخالفا للقانون يعيب القرار الأخير ويبطله إلا أن ثمة استثناءات من موعد الستين يوما هذه تتمثل أولا فيما إذا كان القرار المعيب معدوما أي لحقت به مخالفة جسيمة تجرده من صفته كتصرف قانوني، فتنزل به إلى حد غصب السلطة، وتنحدر به إلى مجرد الفصل المادي المنعدم الأثر قانونا، فلا تلحقه أية حصانة، وثانيا فيما لو حصل أحد الأفراد على قرار إداري، نتيجة غش أو تدليس من جانبه، إذ أن الغش يعيب الرضاء ويشوب الإرادة، والقرار الذي يصدر من جهة الإدارة نتيجة الغش والتدليس، يكون غير جدير بالحماية، فهذه الأحوال الاستثنائية توجب سحب القرار دون التقيد بموعد الستين يوما فتصدر جهة الإدارة قرارها بالسحب في أي وقت، حتى بعد فوات هذا الموعد كل ذلك، مراعاة أن خطأ الإدارة وهي بصدد استعمال اختصاص تقديري، لا يمكن أن يكون مبررا لها لسحب القرار».
ويحق للهيأة الإدارية سحب القرار الإداري داخل  أجل ستين يوما على تاريخ إصداره ويكون تصرفها منضويا في إطار المشروعية، طالما أنها عملت على مجرد تصحيح وتدارك الخطأ المادي
إن السلطة الإدارية لها صلاحية محو العقوبات الإدارية، تطبيقا لقاعدة مألوفة في القانون الإداري والتي تخول السلطة المنشئة للقرار الإداري إمكانية التصرف فيه، وذلك بإلغائه أو تعديله أو نسخه، سواء تم ذلك بناء على طلب استعطافي من المعني بالأمر أو تلقائيا من لدن الإدارة، غير أن الإدارة تكون ملزمة بالمراجعة إذا قررها القانون أو حكم قضائي. ويشترط ألا يترتب عن القرار الصادر بالعقوبة حقوقا لفائدة الأغيار كي تتمكن الإدارة من مراجعته، ويعتبر تعويض عقوبة بعقوبة أخرى ضربا من المراجعة، غير أن الإدارة تكون ملزمة في هذه الحالة بتطبيق عقوبة أقل قسوة من الأولى تطبيقا للقاعدة التي تقضي بأن لا تعوض العقوبة إلا لفائدة من صدرت في حقه، أما إذا عوضتها بعقوبة أخرى أكثر قسوة، فإن  المعني بالأمر يرجع إلى الوضعية السابقة على صدور الجزاء،   ويجب عدم الخلط بين هذه الحالة، والحالة التي تقدم فيها الإدارة على تشديد العقوبة المقترحة من الهيئة الاستشارية كالمجالس التأديبية واللجن المتساوية الأعضاء، والتي تكون ملزمة إثر ذلك بالتعليل، ذلك أن الحالة الأخيرة تكون في مرحلة سابقة على صدور القرار التأديبي.

 بقلم: الأستاذ محمد الهيني, مستشار المحكمة الإدارية بالرباط

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق