حوادث

دراسة في القانون: سحب القرارات الإدارية في الفقه والقضاء (1/2)

 

لا يجوز سحب القرار الإداري متى صدر صحيحا

 

لقد حفزني على الكتابة في الموضوع التساؤلات الفقهية والقانونية التي طرحها المهتمون بالشأن القانوني والاجتماعي حول مشروعية سحب قرار العفو الصادر
عن جلالة الملك بوصفه سلطة إدارية، الذي نعتبره أمرا عاديا تجريه السلطة الإدارية في ممارساتها ومسلكياتها الإدارية
 لدواعي المصلحة العامة بإصدارها للقرار المضاد. إن سحب القرارات من قبل السلطة الإدارية يكون متى تبين لها خطأ القرار موضوع السحب إما من الناحية الواقعية أو القانونية، وتأكيدا منها لحكامة المرفق العمومي لاعتبارات العدالة الإدارية واستقرار الأوضاع القانونية، وتفاديا لإثارة مسؤوليتها الإدارية للتعويض عن الأضرار المترتبة عن القرار الأصلي، لأن الرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الخطأ، باعتباره فضيلة من فضائل الحكمة والتبصر وإعلاء منطق احترام القانون .
والحقيقة أن قرار العفو يعتبر قرارا إداريا صادرا عن الملك، بوصفه سلطة إدارية سامية يقبل الطعن القضائي الإداري أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض لأن الفصل 118 من الدستور صريح في خضوع جميع القرارات الإدارية للطعن دونما أي استثناء،لأنه لم يعد قابلا في إطار دستور 2011 تحصين أي قرار إداري من الطعن، لأن المشروعية عماد المؤسسات الديمقراطية وعنوان دولة الحق والقانون، لضمان مساواة الجميع أمام القانون حاكمين ومحكومين، وهو ما أكدته اتجاهات القضاء الإداري الحديث المغربي والمقارن.  
ولاشك أن سمو القاعدة الدستورية، على ماعداها من نصوص قانونية، يشكل تكريسا للشرعية وسيادة للقانون، باعتبارهما من مبادئ دولة الحق والقانون التي تأبى تحصين أي قرار إداري، مهما علا شأنه، وتعددت مصادره،واختلفت مجالاته من الرقابة القضائية، لأن القضاء هو الحامي الطبيعي والحارس الأمين  للحقوق والحريات .
والملاحظ أنه إذا كانت القاعدة العامة أنه لا يجوز سحب القرارات الإدارية المشروعة متى ترتب عنها حق مكتسب، إلا في حالات استثنائية جد ضيقة، فإن القاعدة على عكس ذلك بالنسبة للقرارات غير المشروعة، حيث يكون السحب داخل أجل الطعن هو جزاء عدم المشروعية تحت طائلة تحصين القرار من كل عملية سحب إلا في حالة الغش أو التدليس أو الخطأ المادي. والسلطة التي تصدر القرار يجب أن تكون نفسها هي الجهة التي تقوم بسحبه طبقا لقاعدة توازي الأشكال والإجراءات وما يفرضه الدستور من تراتبية الهرمية والتراتبية القانونية طبقا للفصل السادس من الدستور.
 وعليه سوف نتناول تباعا كلا من سحب القرارات الإدارية المشروعة وغير المشروعة.
سحب القرارات الإدارية المشروعة
القاعدة المسلم بها فقها وقضاء أنه لا يجوز سحب القرار الإداري متى صدر صحيحا متفقا مع أحكام القانون، وترتب على مقتضاه مركز قانوني لذوي الشأن وخول لهم حقوقا مكتسبة، إذ لا يجوز لأي سلطة إدارية المساس بها، وذلك تطبيقا لقاعدة مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية السليمة متى رتبت حقوقا مكتسبة للمعني بها.
 لذلك فإن القرارات الإدارية التي لا تنشئ مزايا أو مراكز أو أوضاعا قانونية بالنسبة للغير، يبقى من حق  الإدارة سحبها في أي وقت، لأن البنود التي تمنع سحبها، وهي إنشاء حقوق مكتسبة أو مزايا أو أوضاع قانونية معينة غير موجودة.
وقد استقر القضاء الإداري المقارن على التفرقة بين القرارات الإدارية التنظيمية العامة والقرارات الإدارية الفردية، ورتب على ذلك أنه يجوز للإدارة سحب القرارات التنظيمية العامة، سواء بالإلغاء أو التعديل، في أي وقت، تبعا لما تقتضيه المصلحة العامة دون القرارات الفردية .
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 27 شتنبر 2012 «إن انقضاء المدة المقررة قانونا للسحب، أي بمرور أجل ستين يوما اكتسب القرار الإداري الفردي المطعون فيه حصانة تعصمه من أي إلغاء أو سحب أو تعديل من جانب الإدارة، وترتب عن ذلك أن إصدار القرار المضاد، يعد أمرا مخالفا للقانون، وإخلالا بالحقوق المكتسبة وباستقرار الأوضاع القانونية، ومسا بالمال العام للدولة، وبالحق في الشغل حقا دستوريا لعدم ارتكاب الطاعن لأي عمل تدليسي، مما يجعل القرار المتخذ لفائدته، قد أصبح حقا مكتسبا بالنسبة إليه، إذ القول بخلاف ذلك يحول دون انضباط العمل الإداري، ويفقد ثقة المستفيدين في استقرار مراكزهم القانونية المتولدة عن هذه القرارات، ويكون قرار السحب تبعا لذلك غير مؤسس ومشوب بعيب مخالفة القانون.
إن القرار المطعون فيه، فضلا عن عدم مشروعيته  لانبنائه على سبب غير صحيح، يقيم قيدا إضافيا يفتقد في جميع الأحوال القيمة القانونية لعدم إشارة المرسوم المنظم له، ولا سند له في القانون لأنه يضرب الحق في المساواة في الصميم، ويشكل اعتداءا مباشرا على الحقوق،كما يعصف بالأمن القانوني بشكل يجعله مشوبا بالتجاوز في استعمال السلطة وحليفه الإلغاء».
كما اعتبرت المحكمة نفسها بموجب حكمها الصادر بتاريخ 27 يونيو 2013 «أن القرار الوزاري المشترك المطعون فيه حين استند على علة الطبيعة الفلاحية  للعقار وملكيته لشركة أجنبية يكون فاقدا للمشروعية من جهة المحل والسبب، فضلا عن أن سحبه بصفة غير مشروعة وخارج الأجل القانوني للقرار الأول، بالمخالفة لمبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية وما تفرضه من  ثنائية عدم المساس بالحقوق المكتسبة وضرورة استقرار المراكز القانونية الناشئة عنها يجعل القرار مشوب بالتجاوز في استعمال السلطة مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية.

بقلم: الأستاذ محمد الهيني, مستشار المحكمة الإدارية بالرباط

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق