حوادث

دراسة في القانون: انفصال النيابة العامة (1/3)

تبعيتها لوزير العدل لا تتناقض ومبدأ استقلالها

كثر الحديث مؤخرا عن استقلال النيابة العامة وكأن هذه المؤسسة لم تكن يوما كذلك. والحقيقة أن النيابة العامة كانت دوما وأبدا مستقلة لا يحد من استقلالها
 إلا درجة إيمان وتكوين أعضائها. فجميع المعطيات المتوفرة إن دوليا أو وطنيا تناضل في سبيل القول باستقلال النيابة العامة.

هناك معطيات عديدة تتماشى مع طرح أن النيابة العامة كانت دوما مستقلة:
1 – فمن جهة قررت التوصية 10 من إعلان المبادئ التوجيهية الخاصة بقضاة النيابة العامة بأنه يجب التفريق بكيفية قاطعة بين وظائف النيابة العامة ووظائف القضاء الجالس.
2 – ومن جهة أخرى تعتبر النيابة العامة طرفا في الدعوى العمومية التي يتعين أن توفر للمتهم و للضحية شروط المحاكمة العادلة. وقد أناط المشرع بها مجموعة من الواجبات التي لا يمكن لها بطبيعة الحال أن تضطلع بها، بما يضمن استيفاء شروط المحاكمة العادلة، إلا إذا كانت مستقلة عن باقي الأطراف في الدعوى، ونقصد بذلك الضحية و المسؤول المدني و المتهم وكذا القاضي.
3 – ومن جهة ثالثة، خلافا لبعض التشريعات التي لا تعترف لممثل النيابة العامة بالصفة القضائية مما أثار جدلا كبيرا في الأوساط الحقوقية والقانونية الأوربية منها على وجه الخصوص، نجد المشرع المغربي يعترف بالصفة القضائية لممثل النيابة العامة . والاستقلال بطبيعة الحال صفة ملازمة للقاضي.
4 – إن تبعية النيابة العامة من حيث السلطة الرئاسية لوزير العدل لا تتناقض ومبدأ استقلالها، وذلك لعدة اعتبارات نذكر من أهمها:
أ) تقرر القاعدة المتأصلة في فقه القضاء على أنه « إذا كان القلم أسيرا، فاللسان حر « وعليه فإذا كان ممثل النيابة العامة يتقيد مبدئيا بالتعليمات الموجهة إليه، فإنه يسترجع حريته داخل الجلسة كاملة، وله أن يبسط أمام المحكمة من الملتمسات الشفوية ما يراه مفيدا لمصلحة العدالة. لا يقيده في ذلك إلا ضميره و حكم القانون .
ب) إن التبعية لوزير العدل ليست تبعية مطلقة. فتعليمات وزير العدل ينبغي أن تكون مشروعة غير مخالفة للقانون إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما قال صلى الله عليه وسلم. ثم إن الدفع بتنفيذ أمر القانون لا يعفي من المسؤولية الجنائية. كما أن تلك التعليمات يجب أن تكون مكتوبة و أن توضع في ملف القضية حتى يتمكن الجميع من الاطلاع عليها تحقيقا للشفافية، وحتى يتمكن الجميع من المساهمة في الرقابة على مشروعيتها. و في ذلك ضمانة إضافية تعزز استقلال النيابة العامة. لكن بأي التعليمات يتعلق الأمر ؟
بالرجوع إلى مقتضيات قانون المسطرة الجنائية التي تنظم الصلاحيات التي يتمتع بها وزير العدل بصفته رئيسا للنيابة العامة نسجل الملاحظات التالية:
1 –  إذا كان بإمكان وزير العدل إعطاء تعليمات بتحريك الدعوى العمومية أو بالمتابعة، فإنه لا يستطيع إعطاء تعليمات بالحفظ أو بعدم المتابعة و ذلك لعدم وجود مقتضى في القانون يسمح له بذلك.
2 –  إن تعليمات وزير العدل يجب أن تكون مكتوبة سواء تعلقت بأمر بالمتابعة أو بوجهة نظر يرغب الوزير في عرضها على المحكمة لتنوير جانب من جوانب القضية من شأنه أن يساعدها على الوصول إلى الحقيقة. وهذه التعليمات الكتابية يجب أن تودع بملف القضية وتشهد المحكمة على النيابة العامة بتقديمها لملتمساتها الكتابية المتضمنة لرأي الوزير، وذلك بالرغم من سكوت النص القانوني عن ذلك.
3 – إن سلطة توجيه تعليمات للنيابة العامة بمتابعة مرتكبي الجرائم أو برفع ما يراه وزير العدل ملائما إلى المحكمة والتي أقرتها المادة 51 في فقرتها الثانية من قانون المسطرة الجنائية لفائدة هذا الأخير، تعطيه الحق في التدخل في الملفات الفردية. وهذه مسألة أثارت جدلا كبيرا في الأوساط القانونية والحقوقية الفرنسية بالنظر إلى أن النص القانوني الفرنسي كان يعطي لوزير العدل الصلاحية نفسها.
4 –  تنص المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية في معرض تعدادها لصلاحيات وكيل الملك على أنه :».. يطالب بتطبيق العقوبات المقررة في القانون، ويقدم باسم القانون جميع المطالب التي يراها صالحة، وعلى المحكمة أن تشهد بها عليه بتضمينها في محضرها و أن تبت في شأنها ….»
 إن هذه الفقرة، في اعتقادي، تجسد روح استقلال النيابة العامة. فوفاء قاضي النيابة العامة هو أولا وأخيرا لحكم القانون وليس لجهة إدارية معينة، والتزامه هذا يجد أساسه في اليمين العظيمة التي يؤديها عند تعيينه لأول مرة في سلك القضاء حين يقول : « أقسم بالله العظيم أن أقوم بمهامي بوفاء..» . وفي ذلك تجسيد مادي لفكرة أن الاستقلال هو بالدرجة الأولى مسألة نفسية لا يدرك كنهها إلا من جبل عليها، ولا يحد من مداها إلا قيد فرض قانونا أو عرف كان بين الناس مشهورا، مما لا تبقى معه للحديث عن استقلال النيابة العامة عن وزير العدل من عدمه إلا فائدة قليلة.
ومع ذلك فقد علمتنا التجربة أن ميزان القوى بين وزير العدل والهيأة القضائية لم يكن دائما في مصلحة هذه الأخيرة، وأن السلطة قد يساء استعمالها، وأن استقلال النيابة العامة يظل مع ذلك استقلالا محدودا وغير مقنع ما دام أنه يفسح المجال لتدخل السلطة التنفيذية ممثلة في شخص وزير العدل في شؤون القضاء، مما يتعارض مع مبدأ فصل السلط الذي تقوم عليه فكرة الديمقراطية من جهة ويتعارض مع روح الدستور المغربي الجديد الذي رفع القضاء من درجة السلطة Autorité  إلى درجة Pouvoir إمعانا في ترسيخ هذا المبدأ من جهة ثانية، وهو ما يفرض وضع الآليات الكفيلة بحماية هذا الاستقلال، والتي تتمثل كما يطالب بذلك الكثيرون في استقلال النيابة العامة العضوي عن وزارة العدل أو ما نسميه بانفصال النيابة العامة.

بقلم: رشيد صادوق, دكتور في الحقوق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق