fbpx
حوادث

“كوفيـد” ينهـي حيـاة “أبـو الإعـدام”

القاضي فايزي أصدر 11 حكما بالإعدام وأزيد من 1000 سنة حبسا نافذا

نزل الخبر كالصاعقة من إحدى المصحات الخاصة بالبيضاء على كل سكان دكالة، في الساعات الأولى من صباح أمس (الأحد)، “مات القاضي اللحية”، عن عمر يناهز 64 سنة، متأثرا بالإصابة بفيروس كورونا اللعين،مخلفا أربعة أبناء،تبلغ صغيرتهم ثماني سنوات.

وأمضى الفقيد أسبوعا بمستشفى محمد الخامس بالجديدة، قبل نقله على عجل، إلى مصحة خاصة بالبيضاء.
وتحركت الهواتف من كل حدب وصوب، للتأكد من فداحة الخطب وهول المصاب، فكان الجواب في كل مرة صادما: فعلا تمكن كورونا، وبعد أن قاومه الفقيد، بكل الوسائل، طيلة أزيد من أسبوعين، من أن يسكت، وإلى الأبد، صوته “الجهوري” الذي اعتادت عليه قاعة الجلسات رقم 1 بمحكمة الاستئناف بالجديدة، وهو ينطق بأحكامه،التي كان يتخذها مذهبا في تطبيق السياسة الجنائية،المرتكزة على فلسفة العقاب، على اعتبار أن ردع الجاني، برأيه، يهدف أساسا إلى الردع العام، وهو الأساس الذي يحقق للمجتمع سكينته المطلوبة.

“اللحية”،أو كما سمته “الصباح”، “أبو الإعدام” هو ذلك القاضي الذي أطلق صرخته الأولى بإحدى بوادي سطات، بالشاوية العميقة. راكم خبرة بعمله قاضيا في البيضاء وتازة، وخبر عن قرب تضاريس عدالة الجديدة، بحكم الفترة الطويلة التي قضاها بالدائرة القضائية لدكالة يوم كان قاضيا بابتدائيتها، قبل فترة قصيرة أمضاها باستئنافيةآسفي،ثم عودته إلى رئاسة غرفة الجنايات الابتدائية بالجديدة، التي ظل على رأسهاقرابة ست سنوات، إلى غاية وفاته.

البعض يعتبر أحكامه قاسية، وهو الذي أصدر قرابة 11 حكما بالإعدام وأزيد من 1000 سنة حبسا نافذا في قضايا عديدة، بل ينعتونه بأنه امتداد طبيعي لمدرسة القاضيين محمد برحال والحاج الشعيبي.
كثيرا ما جالسته، رحمة الله عليه، وكان دائما يصرح أنه مقتنع بنفسه، في أحكامه،كما باح لي، عقب حكمه بالإعدام على سفاح “القدامرة” الذي قتل عشرة أشخاص، ضمنهم والداه بالحرف، “لو كان هناك حكم أكثر من الإعدام لحكمت به على هذا الجاني، الذي يتعين أن يحكم عليه بالإعدام عشر مرات”.
مرة أسر لي الفقيد أنه غير متفق مع إلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب وبكل بقاع العالم، بل إنه كان على قدر كبير من الإيمان بأن من يقتل نفسا بغير نفس، جزاؤه الإعدام، متسائلا: “كيف يعقل أن نترك القاتل الذي يسلب الناس حقهم في الحياة، متمتعا بالحياة؟”.

حتى في زمن كورونا، وفي أول تطبيق للمحاكمة الرقمية بمحكمة الاستئناف بالجديدة، بدا نورالدين فايزي، متحررا من كل التأثيرات الخارجية المرتبطة بالتكنولوجيا المستخدمة في محاكمة المعتقلين عن بعد.ومثلما كانت أحكامه عن قرب، جاءت أحكامه عن بعد، فهو ذلك القناص الماهر الذي يصيب طرائده عن قرب، كما يصيبها عن بعد، لدرجة أنه، في جلسة 4 ماي 2020، حكم عن بعد في قضية أخوين معتقلين على ذمة ملف زنا المحارم، بأن يتقاسما أربعين سنة، بينما ولول أحد الحاضرين “لهلا يسلط عليك اللحية، لا عن قرب ولا عن بعد، ولا حتى في المنام”. أهل دكالة نعوه بعيون دامعة،واشتعلت مواقع التواصل بالدعوة له بالرحمة والمغفرة، وكان التعليق المؤثر من طفلة صغيرة “الله يصبر الجديدة”. تعليق له دلالات كثيرة ويحيل حتما على أن أحكام فايزي حققت للجديديين السكينة التي افتقدوها قبل ترؤس “اللحية” غرفة الجنايات الابتدائية، إذ تراجعت، في فترته، جرائم الاعتداءات بالسلاح الأبيض والسرقات، حتى في تلك الأحياءالعميقة التي كانت محمية لعتاة المجرمين. ذهول أهل دكالة، الذين لم يصدقوا موت “اللحية”، كما كان يحلو لهم تسميته، مرده إلى أنه كان بالنسبة إليهم “فزاعة مجرمين” وذرعهم القوي في التصدي لهم وكسر شوكتهم.

هكذا، وبقلوب مكلومة، ودعت الجديدة قاضيا فاضلا، وتردد صوته الجهوري في كل جنبات القاعة 1 بمحكمة الاستئناف “باسم جلالة الملك، وطبقا للفصول 343 و394 و395 من القانون الجنائي المغربي تقرر الإعدام في حق المتهم… رفعت الجلسة”.

عبدالله غيتومي (الجديدة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى