fbpx
حوادثمقالات الرأي

جدوي: العقوبة المزدوجة لضباط الشرطة القضائية

المساءلة التأديبية تجسيد للمبدأ الدستوري القائل بربط المسؤولية بالمحاسبة

بقلم: أشرف منصور جدوي *

كما هو معلوم طبقا لنص الدستور سيما الفصل 128 منه “تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاء التحقيق، في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية في شأن الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة”.وطبقا لقانون المسطرة الجنائية خاصة المادة 18 منه والتي جاء فيها:”يعهد إلى الشرطة القضائية تبعا للبيانات المقررة في هذا القسم بالتثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها. وتقوم بتنفيذ أوامر وإنابات قضاء التحقيق وأوامر النيابة العامة.”

بناء على المادتين 29 و30 من القانون نفسه فإن الغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف تسائل ضابط الشرطة القضائية تأديبيا، عن أي إخلال يكون قد ارتكبه خلال ممارسته لمهام الشرطة القضائية، بناء على إحالة من قبل الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف على الغرفة ذاتها، حيث تتخذ الغرفة الجنحية في حق ضابط الشرطة القضائية مقررا بتوجيه ملاحظات، أو بالتوقيف المؤقت عن ممارسة مهام الشرطة القضائية، أو التجريد النهائي من مهام الشرطة القضائية طبقا للمادة 32 من القانون نفسه.

وتعتبر تلك المساءلة التأديبية تجسيدا للمبدأ الدستوري القائل بربط المسؤولية بالمحاسبة، أي أن ضابط الشرطة القضائية مادام أهلا للمسؤولية، فهو أهل كذلك للحساب والعقاب متى زاغ عن القانون، وهو مبدأ مُنَوَّهٌ به سلفا.
إلا أن الإشكال يتمثل في إمكانية أن يساءل ضابط الشرطة القضائية عن الفعل نفسه مرتين، !!! مرة أمام الغرفة الجنحية ومرة أخرى أمام الادارة التي ينتمي إليها، وهذا بشهادة المشرع حيث جاء في المادة32، “يمكن للغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف، بصرف النظر عن العقوبات التأديبية التي قد يتخذها في حقه رؤساؤه الإداريون أن تتخذ في حق ضابط الشرطة القضائية إحدى العقوبات التالية …”. أي أن ضابط الشرطة القضائية قد يساءل أمام القضاء ومرة أخرى أمام إدارته وعن الفعل نفسه.
وتزداد الصورة قتامة وسوداوية إذا علمنا أن مقرر الغرفة الجنحية غير قابل إلا للطعن بالنقض طبقا للمادة 32 من قانون المسطرة الجنائية تبعا للفقرة الأخيرة، وهو ما يشكل انتهاكا وإجهازا على مبدأ التقاضي على درجتين.

وثالثة الأثافي أن المخالفة التأديبية لضابط الشرطة القضائية غير منصوص على تقادمها طبقا لقانون المسطرة الجنائية !!!
أولا: من حيث عدم جواز المساءلة عن الفعل مرتين.
إن الخطأ التأديبي نفسه الذي قد يرتكبه ضابط الشرطة القضائية هو مناط مسؤوليته، مسؤوليتين وتأديبيتين في الآن نفسه فهو مسؤول أمام إدارته، ومسؤول أمام الغرفة الجنحية، التي تسائله بغض النظر عن العقوبات الادارية التي يمكن اتخاذها في حقه من قبل الجهة الادارية التي ينتمي إليها، ولعمري إنها حالة فريدة. والأدهى والأمر أن الضابط ذاته قد يساءل وتتخذ في حقه الغرفة الجنحية عقوبة تأديبية، وهو ما يعني استنفاد الحق في التأديب وبين عشية وضحاها يجد نفسه ماثلا أمام جهة التأديب الادارية التابع لها من أجل الفعل نفسه، وهو ما شكل عدوانا على مبادئ القانون التأديبي، فالمستقر عليه قانونا وفقها وقضاء في مجال التأديب عدم جواز المساءلة عن الفعل نفسه مرتين.
فما دامت الواقعة المنشئة للتأديب هي الخطأ المرتكب فمبدأ وحدة العقوبة يأبى بل ويجب أن يقف حائلا دون أي عقاب ثانٍ عن الفعل نفسه، فقانون التأديب محكوم بمبدأ وحدة العقوبة. هذا المبدأ الذي يجعل الموظف في حل من أي عقوبة أخرى قد تلحقه مستقبلا، وهو ما من شأنه طمأنة ضابط الشرطة القضائية وحماية أمنه القانوني والقضائي، وأي منحى معاكس يصبح تهديدا لأمنه القضائي.
ورُبَّ قائل إن هذه المسؤولية المزدوجة تعرفها جل الأنظمة القانونية حيث يساءل ضابط الشرطة القضائية أمام الغرفة الجنحية وأمام الإدارة فقانون المسطرة الجنائية الفرنسي يعرف الأمر نفسه، لكن ولئن كان القانون الفرنسي مصدرا تاريخيا للقانون المغربي فليس قدرا مقدورا اتباعه في حركاته وسكناته، ولم لا يكون لنا السبق في التلطيف من غلواء الجزاء التأديبي وإعادة الأمور إلى نصابها تحقيقا للعدالة.
إن أي فعل سواء اتخذ صورة جريمة بمفهوم القانون الجنائي، أو ذنبا إداريا أو مخالفة تأديبية، لا يمكن طبقا للمبادئ القانونية المستقر عليها كونيا أن يكون سببا للمساءلة ثم الحساب والعقاب عنه مرتين، ولعمري إنها حالة فريدة في حق ضباط الشرطة القضائية، إذ بالرجوع لمختلف القوانين المنظمة لطوائف الموظفين أو المهنيين الذين يعتبرون مساعدين للعدالة تبقى حالة المساءلة تأديبيا عن الفعل نفسه مرتين في حق ضباط الشرطة القضائية حالة نشازا.
ثانيا: من حيث التقاضي على درجتين.
هناك مجموعة من طوائف المهنيين الذين يعتبرون مساعدين للعدالة، إذا نسب إليهم إخلال تأديبي واتخذ في حقهم جزاء تأديبي يبقى ذلك الجزاء قابلا للطعن فيه أمام القضاء الإداري ابتدائيا واستئنافيا.
فعلى سبيل الذكر وليس الحصر فطبقا لقانون 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين فالمقررات التأديبية التي تتخذ في حق الخبير القضائي تبقى قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية، طبقا للمادة 41 من القانون المذكور.
الأمر نفسه بالنسبة إلى التراجمة المقبولين لدى المحاكم فتبعا للقانون 50.00 المتعلق بالتراجمة المقبولين لدى المحاكم خاصة المادة 59 منه فإن المقررات التأديبية الصادرة في حقهم تبقى قابلة للطعن أمام المحاكم الادارية، والأمثلة على ذلك عديدة.
إلا أن مثال ضباط الشرطة القضائية في التأديب أمام الغرفة الجنحية يبقى حالة فريدة ونشازا، إذ بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية سيما المادة 32 منه خاصة منها فقرتها الأخيرة فإن قرار الغرفة الجنحية لا يقبل إلا الطعن بالنقض. وغير خافٍ على لبيب أو مهتم أن محكمة النقض ليست درجة من درجات التقاضي بل إنها لا تراقب إلا التطبيق السليم للقانون، وهو ما يشكل ظلما وإجحافا في حق ضباط الشرطة القضائية يستلزم من المشرع التدخل لرفع هذا الحيف عنهم.
فضابط الشرطة القضائية يساءل على درجتين، لكنه أمام الغرفة الجنحية لا يتقاضى على درجتين.
ثالثا: عدم تقادم المخالفة التأديبية في قانون المسطرة الجنائية.
بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية فإنه لم يقع التنصيص على تقادم المخالفة التي قد يرتكبها ضابط الشرطة القضائية، وإنها لحالة فريدة، فالمجرم قد يرتكب جناية يستحق عليها عقوبة الإعدام، لكن بمرور 15 سنة على ارتكاب الفعل وعدم تحريك دعوى عمومية في حقه، يكون قد استفاد من نظام التقادم ولا يمكن متابعته أو إدانته، بينما قد يرتكب ضابط الشرطة القضائية خطأ تأديبيا ويبقى في أي لحظة مهددا بالعقاب، نظير عدم التنصيص على تقادم ذلك الفعل، والتنصيص على التقادم لا يكون إلا بنص قانوني، ولذلك فأمام غياب نص في قانون المسطرة الجنائية تبقى المخالفة التأديبية التي قد يرتكبها ضابط الشرطة القضائية تلاحقه إلى أن يحال على التقاعد.
رابعا: مقترح لرفع الحيف عن ضباط الشرطة القضائية.
إذا ثبت ما سبق نكون أمام خلاصة مفادها أن هناك حيفا تشريعيا ملاحقا لضباط الشرطة القضائية، فبعد ثبوت الحيف والإجحاف المحدق بضباط الشرطة القضائية والذي يتعين رفعه عنهم، أقترح ضرورة التدخل التشريعي وذلك بسحب إمكانية تأديب ضباط الشرطة القضائية من الغرفة الجنحية، وجعلها بيد الإدارة التي ينتمي إليها الضابط، بناء على طلب أو بمسعى من الوكيل العام للملك، فالمجلس التأديبي أمام الإدارة يوفر من الضمانات مالا يتوفر أمام الغرفة الجنحية، ففيه ممثلون عن الموظفين، زيادة على أن المقررات الصادرة عنه تبقى قابلة لرقابة القضاء الإداري ابتدائيا واستئنافيا، ويبقى من حق الوكيل العام للملك الطعن في المقرر التأديبي المتخذ من قبل الإدارة، كما هو حق لضابط الشرطة القضائية.
* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى