fbpx
حوادثمقالات الرأي

عبيد: قراءة في المادتين 14 و15 من مدونة الأسرة

محكمة النقض حسمت في مدى صحة عقد الزواج المبرم طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة (3/3)

ارتباطا بما سبق، تصدى القضاء الوطني ممثلا في رأس الهرم القضائي (محكمة النقض) إلى شرط الشاهدين المسلمين عند إبرام عقد الزواج طبقا للمادة 14، ويستخلص من موقفه أن تخلف هذا الشرط لا يترتب عنه بطلان عقد الزواج المبرم بين المغربيين المسلمين، استنادا إلى أن حالات بطلان عقد الزواج منصوص عليها في مدونة الأسرة على سبيل الحصر وليس من ضمنها عدم حضور الشاهدين المسلمين، ونسوق هنا مثالا واضحا لقرار صادر عن الغرفة الشرعية لمحكمة النقض بتاريخ 9 غشت 2011 في الملف الشرعي عدد 676/2/1/2010 الذي ورد فيه ما يلي : ” لكن حيث إن حضور شاهدين مسلمين إنما يكون مطلوبا عند العقد كما تنص على ذلك المادة 14، أما وقد أبرم العقد وتم تحريره وحصل البناء، فإن هذا المقتضى قد أصبح متجاوزا، خاصة أن المشرع لم يرتب أي جزاء على خلو عقد الزواج المبرم بالخارج أمام ضابط الحالة المدنية، والمتوفر على ركن الزواج الأساسي وهو الرضى من حضور شاهدين مسلمين. كما أن ذلك لا يتعارض مع النظام العام المغربي مادام أن الزواج قد أبرم بدون موانع مؤقتة أو مؤبدة، مما يبقى معه القرار مرتكزا على أساس ولم يخرق مقتضيات الفصلين المحتج بهما، وما بالوسيلة غير جدير بالاعتبار”.

ويظهر من نموذج هذا القرار، ومن قرارات أخرى صادرة عن المحكمة نفسها، وتواترها بالصيغة نفسها حول موضوع حضور الشاهدين المسلمين في المادة 14، أن محكمة النقض حسمت في مدى صحة عقد الزواج المبرم، طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة، واعتبرته عقدا صحيحا على حالته، إذا توفرت فيه الشروط الموضوعية لإبرام عقد الزواج وهي الأهلية، والإيجاب والقبول، وانتفاء الموانع الشرعية، وعدم الاتفاق على إسقاط الصداق، وبالتالي لم يعد هناك من مجال للقول بإلزامية حضور الشاهدين لمجلس العقد كإجراء “جوهري” لصحته، أو القول بتصحيحه أو تدارك ما نقص فيه من شروط المادة 14 عن طريق إشهاد عدلي ملحق يتضمن شهادة شاهدين مسلمين، ما دام أن عقد الزواج متوفر على أركانه وشروط صحته عند انعقاده.
– تطبيق المادة 15: المهم تحقيق الغاية…:

أما بخصوص تطبيق مقتضيات المادة 15 من مدونة الأسرة، فإنها وإن كانت لا تطرح إشكالات بالحدة نفسها التي طرحتها مقتضيات المادة 14، فيبقى أمرا محمودا الاجتهاد الذي ذهبت إليه الدورية المشتركة، المشار إليها سابقا، على مستويين:
المستوى الأول: من خلال إتاحتها الفرصة للمغاربة المقيمين بالخارج الخيار بين إيداع هذه النسخة بالقنصلية، حيث محل إبرام عقد الزواج، أو بالقنصلية حيث محل الإقامة، ومنطق هذا التدبير المتخذ يتأسس على أن الغاية من إيداع نسخ عقود الزواج بالقنصليات هو أن يتم توجيهها إلى قسم قضاء الأسرة، وإلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين في المغرب، أو لقسم قضاء الأسرة ووكيل الملك بالرباط، إن لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة في المغرب، وهذه الغاية تتحقق في جميع الأحوال، لأن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، تتوصل بنسخ هذه العقود من قبل جميع القنصليات في العالم، ولا يؤثر في ذلك أن تكون القنصلية التي وجهتها هي قنصلية محل إبرام العقد أو السكنى، لأنها في جميع الأحوال تقوم بتوجيهها للجهات المعنية في المادة 15.
– المستوى الثاني: قبول إيداع نسخة عقد الزواج ولو بعد مرور أجل ثلاثة أشهر المنصوص عليها في المادة 15، انطلاقا من أن هذا الأجل الممنوح هو بالأساس تحفيزي للمستفيد من الإجراء، ولم يرتب المشرع المغربي أي أثر قانوني في حالة تجاوزه، ما دام أنه لا يترتب سقوطا لحق أو تغييرا في المراكز القانونية للأطراف، وهذا من شأنه تبسيط الإجراءات على المغاربة المقيمين بالخارج المعنيين بمقتضيات المادة 14 ويخفف عنهم أعباء التنقل في ديار المهجر، ويقرب الخدمات الإدارية الوطنية منهم ويشجعهم على القيام بإجراءات إيداع نسخ عقود زواجهم المبرمة بالخارج، وبالتالي تحقيق المصلحة المتوخاة من إقرار مقتضيات هذه المادة، وهي ضبط وضعيتهم العائلية ببلدان الإقامة ولدى المصالح الإدارية والقضائية الوطنية. وهذا التوجه هو ما تبناه ، أخيرا، أحد الفرق البرلمانية من خلال تقديمه مقترح قانون يروم تعديل المادة 15 المذكورة وفق الصيغة التي أوردتها الدورية المشتركة.

خاتمة:
وختاما، وباعتبار أن التوجه العام الحالي يذهب في اتجاه تقييم تطبيق أحكام مدونة الأسرة وتقويم ما ظهر من نقص فيها، وأصبح يشكل عائقا نحو خدمة صالح مواطنينا في الخارج، فلا يمكن إلا تزكية التوجه الذي خلص إليه الاجتهاد القضائي، في تفسيره لمقتضيات المادة 14 ويمكن اتخاذه سندا في القراءة القانونية لهذه المادة وتأويلها، وبالتالي ترتيب الأثر العملي لهذا الاجتهاد حالا بإعفاء مواطنينا في الخارج من ملحق الإشهاد، ومستقبلا عند التدخل التشريعي لتعديل المادة 14، ما دام أن الاجتهاد القضائي يعتبر بدوره من مصادر التشريع، وعليه يمكن الاقتصار في إطار التعديلات التي يمكن التفكير في القيام بها عند تنظيم إبرام عقد الزواج طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة، على الشروط الموضوعية الأربع الواردة في المادة 14 وحذف شرط حضور الشاهدين المسلمين، مع استحضار ضرورة مواكبة ما أسفر عنه التطبيق العملي لها للمادة 15، وتعديلها تشريعيا بجعل مقتضياتها تسمح لمواطنينا بالخارج بإيداع نسخة رسم الزواج بقنصلية محل إبرام العقد أو بقنصلية محل الإقامة أو بأي قنصلية مغربية أخرى.
* رئيس قسم قضاء الأسرة والقاصرين وفاقدي الأهلية بمديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى