fbpx
ملف الصباح

أقارب مرضى كورونا يقتربون من الجنون

يبحثون بـ”الريق الناشف” عن سرير إنعاش وبعضهم يفضل الاعتصام بقاعات الاستقبال

“سير حتى لغدا”، كان يكفي أن يسمع هذا الجملة للمرة الخامسة، على التوالي، في أقل من نصف يوم، حتى انفجر الرجل الأربعيني ذو المعطف الأسود والذقن غير الحليق في وجه موظفة خلف واق زجاجي بمصلحة الاستقبال.

“ماغاديش..هنا بت نبت، بغيت اليوم طيح شي روح..جيبو الوزير.. والله لنضت من هنا”.

اقتعد الرجل الممر الخاص بطابور الانتظار، و”ربع” رجليه، وشرع في صراخ بألفاظ مرتبكة غير منتقاة، تنم على أن “السكين نفذ إلى أنسجة العظم”.
“واعباد الله، من الستة ديال الصباح وأنا هاز الوليد في طاكسي وكنضور بيه من سبيطار gسبيطار، وفين ما حطيت رجلي كيكولو ليا سير معندناش بلاصة..فين غادي نمشي”.

يحاول الطفل بجانبه أن يهدئ من روعه، واضعا كفه على كتفه، لكنه يدفعه بعنف، وينقل إلى السرعة الموالية: “واش بغيتي جدك يموت في هاد الحالة، الوليد كيموت في المرض، وغادي يتخنق، وهما معلابالهمش.. ماغاديش نوض من هنا، حتى يجي المسؤول الكبير، حتى يجي الوزير، بغيت الملك يحضر باش يشوف هاد الحالة”.

واصل الرجل الصراخ بصوت عال، وبين الفينة والأخرى، كان ينهض بسرعة، ويقترب من الواقي الزجاجي. يرغي ويزبد في وجه الموظفة، ثم يعود إلى مكانه.
وفي لحظة أخرى، نزع معطفه الأسود مفسحا عن لباس رياضي أحمر غير مرتب، وافترشه في الأرض، ثم عاد إلى الوضعية نفسها، عازما على الاعتصام في المكان نفسه إلى أن يظهر الحق، حسب تعبيره.

لم تفلح جميع المحاولات لتهدئة الرجل الذي كان يطلب من ابنه، بين الفينة والأخرى، تفقد جده أمام باب المستشفى (فهم الموجودون في القاعة أن الأب رجل مسن يوجد برفقة شخص آخر ينتظران في مكان خارج المستشفى إلى حين الانتهاء من الإجراءات)، كما لم ينفع تدخل عنصرين من الأمن اللذين واجها غاضبا يعرف حقوقه جيدا، ومستعدا أن يدافع عنها إلى آخر رمق.
هذا المشهد، الذي لا يمكن أن تعرف نهايته، يمكن أن يكون نسخة طبق الأصل لمشاهد في مستشفيات عمومية آخرى، تحدث كل يوم تقريبا، وأبطالها مواطنون يبحثون بالريق الناشف عن سرير لمريض ينخر رئتيه فيروس قاتل.

والملاحظ أن نسبة ملء أسرة الإنعاش ووحدات أجهزة التنفس الاصطناعي قفزت الاختراقي إلى 45 في المائة، بالتحاق مرضى جدد، يوميا، بهذه المصالح.
ونبه مهنيون بقطاع الصحة إلى الاستغلال المفرط لغرف الإنعاش التي يحال عليها المرضى الموجودون في مراحل متقدمة من الإصابة بفيروس كورونا، أو مراحل متأخرة، لم يعد ينفع معها علاج بالأدوية، متخوفين من وصول القدرة الاستيعابية للمستشفيات العمومية والمصحات الخاصة إلى الملء الكلي، في منتصف دجنبر الجاري، إذا استمر منحنى الإصابات اليومية على هذا الارتفاع.
وعبأت وزارة الصحة، في المراحل الأولى من انتشار الفيروس، 1214 سريرا خاصا بالإنعاش بالمستشفيات العمومية (من ضمنها 371 سريرا بالمراكز الاستشفائية الجامعية)، قبل أن تضاف إليها 803 أسرة في مرحلة لاحقة، كما قام أرباب المصحات بتعبئة 504 أسرة إضافية للإنعاش بكل أطقمها وتجهيزاتها الطبية.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى