fbpx
خاص

الإعدام ومفهوم الحق في الحياة

مقتل عدنان يعري واقع التشفي على أحزان الآخرين

عبد الإله المستاري*

في الوقت الذي خلف فيه هتك عرض ومقتل الطفل عدنان عن طريق الاستدراج والاختطاف, انتكاسة وفاجعة عظمى في مشاعر الناس، فرادى وجماعات، فهزت نفوسهم هزا، وكسرت قلوبهم كسرا، وجلبت موجة عارمة من الحزن والأسى، واللوعة والحسرة والألم، والشجب والإدانة والاحتجاج، والمطالبة بإنزال أشد العقاب في حق الجاني أو الجناة، إذ لا يوجد من يملك ذرة إحساس وعطف ولا يتأثر ببشاعة وضراوة هذا الحدث الجلل البشع المقيت، الذي استهدف طفلا غضا طريا يحمل في خلجاته كل معاني الحب النبيلة، والقيم الخلقية الرفيعة، طفلا بريئا يافعا ما زال على الفطرة، لا يعرف للكره معنى ولا للعنف طريقا، طفلا اغتصب في عذرية أحلامه الوردية وطموحاته الندية السنية. فسلخ سلخا كسلخ الشاة وفصلت روحه عن جسده في أسوأ صورة يمجها كل ذي حس أو وجدان…

في هذه الأجواء الحزينة الكئيبة، وبالذات يوم تشييع جنازة هذا الطفل، تطالعنا بعض الكتابات الغريبة والمستفزة الصادرة عن بعض الجهات، التي تزعم أنها تعتنق ثقافة حقوقية، فتنعت أبناء جلدتها وبلدها من مواطنيها بأنهم (لا يقلون وحشية عن وحشية الجاني، الذين يريدون الثأر منه)، وذلك لا لشيء سوى أنهم طالبوا بصرامة تطبيق القانون، وإنزال أشد العقوبات بما في ذلك عقوبة الإعدام للدفاع عن الحقوق وصيانة الأعراض والأرواح، وهي مطالب لا تخرج بطبيعتها عن المألوف والمعتاد.

عدنان يعري “المدرسة الحقوقية”

وما يجري على ألسنة، كل إنسان مشحون بالمشاعر الفياضة مكلوم ومجروح، يلوذ بحماية وسلطة القانون وينادي بتعقب الجاني أو الجناة، وجعلهم رهن إشارة القضاء، لأخذ القصاص منهم ولمحاكمتهم محاكمة عادلة، وهي مطالب مشروعة لا تخرج عن دائرة الشرعية والمشروعية، طالما أن القانون نفسه يتضمن عقوبة الإعدام، بالنسبة لمثل هذه الجرائم المرتكبة في حق الطفل الضحية، التي روعت كيان المجتمع ومست أمنه وطمأنينته، وجعلت الجميع يعيد قراءة أوراقه وترتيب حساباته وتوجهاته، ويطرح سؤالا كبيرا وعريضا يختزل كل التساؤلات: إلى أين نسير؟
رحمك الله يا عدنان يا عصفورا من عصافير الجنان.
فأية ثقافة حقوقية هذه التي تستند إليها مثل هذه الكتابات، فيطلق أصحابها العنان لأقلامهم للنيل من كرامة واعتبار المواطنين، ووصفهم بأقبح النعوت والأوصاف والصفات، من قبيل الوحشية، التي تنطوي في الحقيقة على أفعال معاقب عليها قانونا تصل إلى حد القذف….. في الوقت، الذي تزعم فيه مثل هذه المدرسة الحقوقية بأن قناعتها ونهجها وفلسفتها تروم رفض الإقصاء، وتقبل الآخر، واحترام الرأي المعارض، ألا يعتبر مثل هذا التصرف من قبيل الإقصاء ودحر الرأي الآخر، فطائفة من المجتمع لا تشاطر هذه المدرسة قناعاتها وتوجهاتها بإلغاء عقوبة الإعدام، وتطالب على العكس من ذلك بتطبيقها، فهل تستحق بأن تكال إليها أقبح الصفات والنعوت وترمى بالوحشية ؟، أليس هذا هو الإقصاء بعينه، وفي أبهى مظاهره وتجلياته؟ ألم تصبح تلك المقولات مجرد شعارات جوفاء تكذبها الممارسة على أرض الواقع؟
ألا تعتبر هذه المدرسة الحقوقية المزعومة، التي تنتمي إليها هذه الأصوات بأن أسلوب الكتابة على هذا النحو يخلو من قواعد اللياقة واللباقة، ويعتبر من قبيل الكلام المرسل والمطلق على عواهنه، دون أدنى احتراز أو ترو؟.
وهل بهذا الأسلوب المستهجن المليء بالألفاظ الجارحة، التي تجرد المواطنين من كرامتهم وخصوصيتهم وإنسيتهم يمكن بمقتضاه فعلا المساهمة في الارتقاء بالتربية على ممارسة الحق في التعبير….؟
إن أسلوبا من هذا القبيل هو أسلوب مرفوض، ولا يمكن أن يرقى إلى مستوى النقد الهادف الايجابي، لافتقاره لمقومات ومقاييس النقد الرصين وحق الرد البناء.!
ألا يوجد في قاموس وأدبيات هذه المدرسة الحقوقية الحرص على أن تنهج في كتابتها وخطاباتها أسلوبا يتصف بالحكمة في إبداء الرأي، وفي اختيار لغة التعبير، التي تنم عن سمو الفكر الحقوقي المتزن، وأن لا تحيد عن هدوء العقل وسعة الصدر، والالتزام بعفة القلم واللسان، والتقيد بفضيلة الحوار والمجادلة الحسنة؟
ألم يكن من الأجدى فوق كل هذا وذاك مراعاة الظرفية النفسية المزرية، التي تجتازها أسرة الضحية في محنتها هذه ؟ وكذا كافة المواطنين، الذين يشاطرونها حزنها وكدرها وكربها، وأن يتم اختيار تعابير أكثر ملاءمة وأدق دلالة عن الشفقة والمواساة والتخفيف من حدة المعاناة، بدلا من الخوض في موضوع عقوبة الإعدام في هذا الظرف غير المواتي، لأن المقام مقام حزن وعزاء، ونهج أسلوب التقريع والتجريح والاستفزاز، الذي يستهدف المشاعر والعواطف.
فعن أي نشاط حقوقي يتحدثون؟
وأي نوع من الثقافة الحقوقية يتمسكون به؟
فإذا كان المواطنون قد ألحقت بهم هذه الأوصاف المتوحشة لمجرد أنهم طالبوا فقط بمحاكمة الجاني، وإنزال أشد العقوبات في حقه، فكيف سيكون عليه موقف مثل هذه الأصوات في حالة صدور حكم فعلا بالإعدام؟ وماهي يا ترى الأوصاف والنعوت، التي ستصدر عقب صدور الحكم بتلك العقوبة؟
وإن غدا لناظره قريب وسوف نرى!.

الإعدام والحق في الحياة

وبخصوص ارتباط عقوبة الإعدام بمفهوم الحق في الحياة، الذي هو اتجاه خاطئ من أساسه يستدعي إبداء الملاحظات التالية:
فما المقصود إذن بالحق في الحياة حسب التفسير المعطى من قبل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة؟
تصف المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة بأنه حق لازم للإنسان، مما يعني أنه حق طبيعي مستمد من الوجود الإنساني، حيث أن القانون يعد كاشفا عنه لا منشئا له، ويتعين على القانون حسب هذه المادة أن يحمي الحق، ولا يجوز حرمان أحد منه (بطريقة تعسفية)؛ ويلقي العهد الدولي والصكوك الدولية الأخرى على عاتق الدول عددا من الالتزامات الإيجابية، التي تستهدف الحماية القانونية من الانتهاكات الجسيمة للسلامة الجسدية، والرعاية الصحية والاجتماعية .
ورغم أن العهد الدولي يهتم على ما يظهر من المادة السادسة منه بالجانب السلبي في الحق في الحياة، المتمثل في الامتناع عن الاعتداء عليه ( تعسفيا ودون سبب قانوني)، إلا أن اجتهادات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان وغيرها من هيآت الرقابة، ومن خلال تفسيرها للحق في الحياة تضع التزامات وضوابط يتعين على الدول احترامها، إذ يترتب بمقتضاها على الدول الأطراف في الاتفاقية أن تتضمن قوانينها الداخلية، النصوص والأحكام الواردة في الاتفاقية، حماية حق كل فرد خاضع لولايتها واختصاصها.
فالدول ملزمة إذن بإحداث تشريعات تمنع الاعتداء على هذا الحق، والمعاقبة عليه في حالة وقوعه وحمايته ضمن حدود ولايتها، ولا تدخل ضمن مشمولات هذا الحق، عقوبة الإعدام، التي تعتبر آلية من آليات الردع العام المخصصة لبعض الأفعال والممارسات الخطيرة.
أما البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي فهو المقتضى الدولي الوحيد، الذي يتحدث عن منع عقوبة الإعدام، وترك للدول الاختيار للانضمام إليه مراعاة لخصوصيتها الوطنية. والدول العربية لم توقع عليه لحد الآن إلا واحدة، وكذا الشأن بالنسبة إلى بعض الدول الغربية وأمريكا اللاتينية.
وفي إطار الحفاظ على الحق في الحياة، منع على الدول تعريض حياة أي من الخاضعين لولايتها إلى الخطر بسبب تقصيرها في نظم الرعاية الصحية، وحماية الصحة العامة والبيئة، فيتعين على الدول الأطراف اتخاذ ما تراه ضروريا من التدابير الوقائية الهادفة لضمان حماية الصحة، ومنع التلوث البيئي.
(ولقد أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان هذه العلاقة الوطيدة بين الحق في الحياة، والحق في الرعاية الصحية، الذي هو جزء لا يتجزء منه، ويجب أن يفسر الحق في الحياة تفسيرا واسعا، يشمل كافة مظاهر الحياة، ولا علاقة له البتة بعقوبة الإعدام، التي يحكم بها من لدن قضاء الدولة بكيفية شرعية وغير تعسفية في حق الأشخاص العاديين، الذين انتهكوا حق الحياة).
وثمة التزام آخر وهو التزام مستمد من الصلة بين الحق في الحياة، وبين تأمين الحاجيات الأساسية، كالمأكل والملبس والمسكن والعناية الصحية وفرص العمل، فهذه كلها مظاهر لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، خاصة حق الإنسان في مستوى معيشي لائق، وهي التزامات لا يمكن فصلها عن الحق في الحياة، وإن وردت في المادتين11و12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

البروتوكول الاختياري

أول ملاحظة يمكن إبداؤها من خلال التسمية المطلقة على هذا البروتوكول، بأنه (بروتوكول اختياري، أي غير ملزم للدول في الانضمام إليه)، مراعاة لخصوصيتها الوطنية ومرجعيتها الاجتماعية، التي يتفهمها المنتظم الدولي .
فلقد ألحق بالعهد الدولي هذا البروتوكول المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام بتاريخ 15/12/1989 حسب القرار 128/ 44، ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 1/7/1991، ويلزم هذا البروتوكول الدول الموقعة عليه بالامتناع عن العمل بعقوبة الإعدام، وباتخاذ كافة التدابير الضرورية لإلغاء العقوبة، وقد أجاز للدول الأطراف أن تقصر عقوبة الإعدام على الجرائم ذات الطبيعة العسكرية المرتكبة زمن الحرب. (المادة الثانية من البروتوكول)، كما أوجب على كل دولة تبدي تحفظا بشأن هذا البروتوكول، أن تقوم بإخطار الأمين العام للأمم المتحدة ببداية ونهاية أية حالة حرب تكون جارية على أراضيها .
أما بالنسبة إلى الدول العربية، فإن أي دولة منها لم تنضم إلى هذا البروتوكول، ومازالت عقوبة الإعدام تحفل بها تشريعاتها، باستثناء دولة جيبوتي، التي ألغت عقوبة الإعدام من قوانينها الجنائية، وقد حدد الميثاق العربي لحقوق الإنسان المعدل سنة 2004 في المادتين 6 و7 منه قيودا وضوابط صارمة لتنفيذ العقوبة؛ تشبه إلى حد بعيد الشروط، التي جاء بها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

واقع عقوبة الإعدام بالمغرب

يمكن التطرق بكيفية مجملة، ودون الخوض في الكثير من الجوانب المرتبطة بعقوبة الإعدام في المغرب، إلى العناصر والبيانات التالية:
لقد سبق للجنة الإنصاف والمصالحة عند إنهاء أشغالها بتاريخ 2005/11/30، أن أوصت بالانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بإلغاء عقوبة الإعدام، وقد وافق جلالة الملك آنذاك على هذه التوصية، وكلف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بتفعيلها، عن طريق فتح نقاش عمومي عميق بشأنها.
كما تقدم أحد الفرق النيابية بمشروع اقتراح قانون يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام خلال 2006، لكن هذا المشروع لم يلق تجاوبا من لدن بقية الفرق.
وفي غياب أي نقاش عمومي عميق بشأن إلغاء هذه العقوبة بالشكل اللائق، وفي غياب أيضا أي دراسة رسمية حقوقية معمقة بحتة، تحيط بدراسة تجليات هذه العقوبة وأبعادها بكيفية شاملة، من شأنها أن تقنع الرأي العام، وتدعو المشرع إلى تبنيها، إذ أن معظم الدراسات والأبحاث، التي اهتمت بهذا الموضوع لم تحظ بالقسط الوافر من الدراسة والتمحيص، وهي جد محدودة وتستند في معظمها إلى خلفيات ومرجعيات مختلفة، وتم فيها تغييب المواطن، الذي من المفروض إشراكه في هذا النقاش، وتوجيه الاهتمام لرأي المجتمع، والإصغاء إلى نبض الشارع ووضع هذه العقوبة في صلب انشغالاته واهتماماته، وقد يعتبر هذا الغياب من بين الأسباب، التي جعلت المغرب دائما يمتنع عن التصويت، سواء بالنسبة للانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني بشأن إلغاء عقوبة الإعدام، أو بعدم تنفيذ هذه العقوبة.
كما أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان بعد صدور دستور 2011 دعوته إلى إلغاء عقوبة الإعدام، خلال جلسة مناقشة هذه العقوبة ضمن الدورة 28 لمجلس حقوق الانسان بجنيف، حيث دعا الدولة المغربية إلى الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي، كما جدد رئيس هذا المجلس خلال أول مؤتمر إقليمي بالرباط في موضوع إلغاء هذه العقوبة طلبه إلى الحكومة بإلغائها، إعمالا بتوصية هيأة الإنصاف والمصالحة ولمقتضيات الدستور.

الدعوة إلى نقاش عميق

أرشيف

ويتضح من ذلك، بأنه لا توجد اليوم بالمغرب مواقف رافضة للدعوة بفتح نقاش عميق ومستفيض مع كل الفعاليات الاجتماعية، وهذا يعد في حد ذاته مكسبا هاما في مسيرة إنضاج النقاش للوصول إلى الخيار الأنسب، إما بالإبقاء على هذه العقوبة في حدود جد ضيقة، أو بإلغائها بالمرة.
ومن جملة الأسئلة، التي يطرحها الرأي العام المغربي حول ما مدى جدوى إلغاء عقوبة الإعدام في الحياة اليومية للإنسان المغربي؟ وهل المجتمع المغربي في حاجة ماسة لهذا الإلغاء؟ وهل تم القضاء على كل مسببات الجريمة من فقر وهشاشة وأمية وإقصاء وتهميش؟ وفيما إذا تم الحد من حدة الفوارق الاجتماعية؟ وهل يتوفر المجتمع على جودة المؤسسات وجودة الحياة والبيئة؟ وهل يحفزه الابتكار والبحث العلمي والإبداع الثقافي؟ وفيما إذا كانت الشرائح والفئات الاجتماعية مشبعة بثقافة القيم الكونية، التي تؤهل المجتمع ليكون في مستوى التحديات، التي ترتقي به ليكون في مصاف الدول المتقدمة؟
إنها أسئلة مشروعة بلورها بشكل أدق الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان بتاريخ 2014/10/10، فعندما تتحقق هذه الشروط، فعندها يمكن الاقتناع بالإلغاء الكلي لعقوبة الإعدام.

غياب الشروط الموضوعية لإلغاء العقوبة

ولعل الأسباب الكامنة وراء عدم انضمام المغرب للبروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي، الذي يلغي عقوبة الإعدام، ناتجة بالأساس عن مراعاة الخصوصية الوطنية، والمرجعية الاجتماعية، لأن الشروط الموضوعية مازالت لم تتحقق، والأفكار لم تنضج بعد، والرأي العام غير مهيأ بما فيه الكفاية لإلغاء هذه العقوبة كليا، ولذلك ركن المغرب إلى الانتقال التدريجي للأخذ بهذه العقوبة.
ويسعفه في ذلك، تصدير الدستور الحالي، الذي نص في الفقرة ما قبل الأخيرة منه على ما يلي: جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية إلخ…
ويستخلص من كل ما سبق، أن هاجس عقوبة الإعدام حاضر بقوة، سواء على مستوى الأفكار والآراء، أو على مستوى بعض الإرهاصات والاجتهادات التشريعية، وكذا على مستوى الممارسة العملية القضائية بالمغرب، من حيث تطبيق ظروف التخفيف في مادة الجنايات، والرغبة في التوجه نحو التقليص من عدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام ، والاقتصار على أكثرها خطورة، فهذه العقوبة يجب أن تناقش في ضوء قيم وخصوصيات كل مجتمع على حدة، مع مراعاة الظرفية الراهنة بكل أبعادها وتمثلاتها، سواء الإقليمية أو الدولية أو الاجتماعية، والأخذ بعين الاعتبار ما يجري في دول الجوار والساحل وفي العالم أجمع من جرائم منظمة ترتكب بوحشية ممنهجة، إذ يمكن تحقيق هذا الإلغاء لهذه العقوبة مع تغير الظروف، ومع الانتقال التدريجي لتطور الوعي لدى الرأي العام، عن طريق إحداث آليات ناجعة وفعالة لمحاربة ظاهرة الإجرام، التي يعرفها المجتمع المغربي، كما في غيره من المجتمعات، وتجديد الخطاب الديني وفق المنهج الصحيح، ومقتضيات العصر وتساؤلاته، ودعم كل المبادرات ذات المصداقية، مع تنظيم تظاهرات وندوات وورشات عمل لتدارس مختلف أبعاد هذه العقوبة، وغيرها من العقوبات الأخرى، وفق نسق علمي رصين، وخلق تفاعل مجتمعي فعال تؤطره الأوساط العلمية والأكاديمية والدينية والقطاعية ذات الصلة، والسعي إلى إنشاء مراكز للتأمل والتفكير، تشمل كافة الفعاليات داخل المجتمع، لنشر الوعي والثقافة الحقوقية والقيم الكونية، حتى يتأتى تهييئ المجتمع للتعامل مع الظاهرة بشكل إيجابي، وتحفيز كل فئاته لترسيخ القناعة بمدى جدوى إلغاء هذه العقوبة، ولتجاوز مرحلة التدرج، التي قبل بها المغرب، مما يوفر لسلطة التشريع كل المعطيات الكافية، التي تمكنها من تبني الخيار المناسب، الذي تمليه تطلعات المجتمع وتوجهاته، على اعتبار أن هذا الورش يعد في الوقت ذاته عملا حكوميا بامتياز، لكن في حالة تعذر القيام بذلك وتلافيا لوقوع أي احتدام فكري بين مختلف الأطياف والفعاليات داخل المجتمع، ولقطع دابر كل اختلاف غير مجد فقد يؤدي الحال في نهاية الأمر إلى البحث عن اختيار أنسب تدفع به الظروف، باللجوء إلى إحدى الآليات الدستورية، عن طريق عرض الموضوع على استشارة شعبية، للحسم نهائيا بتبني أحد الاختيارين، إما الإبقاء وإما بالإلغاء، على غرار بعض التجارب الدولية، التي سارت في الاتجاه نفسه.
* الوكيل العام السابق باستئنافية مراكش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق