fbpx
افتتاحية

كذبة الحكامة

«هيآت الحكامة في المغرب، تحتاج هي الأخرى لمن يقوم حكامتها».
هذه هي القنبلة التي رماها حارس أختام وملفات وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، منتصف الأسبوع الجاري، بلجنة العدل والتشريع بمجلس النواب.
قنبلة، رغم دويها الصاخب، مرت مرور الكرام، ولم ينتبه إليها إلا القليلون، علما أن الأمر يتعلق بكارثة وطنية، حين يخبرنا مالك أسرار مالية المغرب، أن هؤلاء الذين نأتمنهم على تقييم حكامة المؤسسات العمومية ومراقبة ماليتها وفحص طرق تدبيرها، يحتاجون إلى من يراقبهم ويفحصهم ويعري أخطاءهم وزلاتهم.
اليوم، نحن أمام مشكل حقيقي ينبغي أن نتوقف عنده جميعا لإيجاد حل له.
مشكل لخصه وزير الاقتصاد في جمل بسيطة بلغة دارجة واضحة ومباشرة لا تحتاج إلى تأويل، مفادها أن الحارس الذي وضعنا فيه الثقة لحماية ممتلكات المغاربة وصون أموالهم من النهب والفساد والسرقة وسوء التدبير، يحتاج إلى من يحرسه حتى لا تمتد يده إلى المال العام.
والحقيقة أن المسؤول الحكومي لم يقل بصوت مرتفع إلا ما كان البعض يردده في الخفاء، ومعناه أن ما يجري في بعض هيآت الحكامة أسوأ بكثير مما يجري بالمؤسسات العمومية الأخرى، التي تكون عادة موضوع حكامة من قبلها.
فحين تصل الأمور إلى هذا المستوى من التردي وسوء الحكامة والتسيب في مؤسسات عهد إليها بتقييم المؤسسات العمومية، التي انتبه إليها مسؤول حكومي من هذه الدرجة، وأدلى بها في مؤسسة دستورية أمام ممثلي الأمة، فينبغي أن نصلي صلاة الجنازة على كل هذا الذي نفكر فيه ونطمح إليه، الآن ومستقبلا، في المغرب.
فبمن نثق بعد اليوم، حين يقر وزير في الحكومة بوجود فساد في المؤسسات، التي عهد إليها دستوريا وقانونيا ومسطريا بمحاربة الفساد؟ وكيف يمكن أن نحلم ببناء مغرب آخر ممكن بنموذج جديد للتنمية، في ظل وضع شاذ يراقب من خلاله فاسد فسادا آخر أكثر منه؟ وما هو الموقف الذي سيتخذه أبناؤنا غدا حين يعلمون أن آباءهم كانوا يسمحون لأنفسهم بتعيين لصوص لحراسة صناديق الشعب من النهب؟
فنحن لا نتهم أحدا، ولا نسمح لأنفسنا بأن نشير إلى أي مؤسسة حكامة بوجود فساد بها دون أدلة قاطعة، لكن من حقنا (مع وزير الاقتصاد) أن نتساءل عن جدوى هدر ملايين الدراهم سنويا لتقييم وتقويم مؤسسات عمومية، في الوقت الذي لا نملك أداة شفافة وذات مصداقية تضطلع بهذه المهام.
أكثر من ذلك، قال الوزير إن الوزارة السابقة، التي كانت مهمتها الشؤون العامة والحكامة، لم تستطع القيام بعملها، ولا يمكنها أن تفعل ذلك أبدا، لأن المغرب لا يتوفر على سياسة للتقييم، حتى يمكنه مباشرة عمليات تقييم للمؤسسات العمومية.
إنها الحقيقة التي رماها بنشعبون عارية في وجوهنا.
حقيقة لا ينبغي أن يفهم منها أن الموضوع يتعلق فقط بخلل في أدوات التسيير، تتطلب إصلاحا ما، بل بعطب بنيوي في تنزيل واحد من أهم أركان دستور 2011: الحكامة الجيدة التي وضعها المغرب في مصاف دولة الحق والقانون والديمقراطية التشاركية.
وهنا مكمن الخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى