fbpx
افتتاحية

فئران تجارب

سامح الله “أساتذة باحثين” في كليات الطب والصيدلة و”بروفيسورات” ورؤساء أقسام في مراكز جامعية استشفائية كبرى، كانوا لا يميزون، كثيرا، بين مرضاهم، وفئران التجارب. فالكل سواء، بالنسبة إليهم، أمام بريق أوراق الدولار التي كانت تتهاطل من مختبرات عالمية للقاحات، أو أدوية، أو عقاقير، تحتاج “حقولا بشرية” لقياس نجاعتها.
نتذكر أحداثا ومآسي وممارسات مخلة بأخلاقيات مهنة الطب والاختراع والبحث العلمي، ونحن نسمع، أول أمس (الاثنين)، قرار وزير الصحة بمشاركة المغرب في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاحات فيروس كورونا المستجد.
ونتذكر أيضا الصراع المرير، الذي خاضته ياسمينة بادو، المحامية ووزيرة الصحة السابقة، حين وجدت فوق مكتبها أكثر من 280 طلبا لإجراء تجارب سريرية على مرضى ومواطنين بطلب من مختبرات دولية، متخصصة في صنع الأدوية وعقاقير الأمراض النفسية والعقلية، ولقاحات لأنواع من الجراثيم والفيروسات.
حينها، كان بعض الأطباء والباحثين يستغلون الفراغ الرهيب في الترسانة القانونية المؤطرة للتجارب السريرية، كما يستغلون غياب ميثاق أخلاقي لتقييم التدخلات العلاجية والدوائية والجراحية، للتوقيع على “ممارسات” مخلة بجميع الأعراف الطبية، لو فتحت سيرتها، اليوم، لزج بالكثير منهم في السجن.
وحتى بعد وضع قانون يؤطر هذه الممارسات، ويعطي الحق في الدخول إلى المؤسسات الصحية المكلفة بالبحوث البيوطبية والتجارب السريرية، للتأكد من احترام الضوابط المعمول بها، استمرت بعض التجارب السريرية في “النوار”، ما يجعل تخوفنا مشروعا من الخطوة التي ستقوم بها الحكومة مستقبلا.
فمثلما نقدر المجهودات التي تقوم بها الدولة، بجميع سلطاتها وأجهزتها، للحد من انتشار الوباء القاتل، والانخراط في المجهود العالمي لإيجاد موقع للمغرب في خارطة الدول التي ستستفيد من اللقاحات المبرمجة في وقت مناسب وبكميات تحقق الاكتفاء الذاتي، فإن مجهودا موازيا ينبغي أن يبذل من قبل وزارة الصحة لوضع المواطنين في الصورة الحقيقية لهذه التجارب ونوعيتها وضماناتها، ومقابلها الحقيقي.
فلا يكفي أن يخرج مسؤول حكومي، في ندوة صحافية مقتضبة، ليعلن خبر مشاركة المغرب في التجارب السريرية، وكأنه يتحدث عن مشاركة في ملتقى دولي للقصة القصيرة، أو منافسات في الكرة الحديدية، أو إقصائيات التزلج على سفوح جبال الألب.
إن الأمر يتعلق بحياة بشر، سيخضعون أجسادهم لوخز الإبر، واستقبال “أشياء” غريبة عليها، قد تؤدي، في حال الخطأ وسوء التقدير، إلى مضاعفات جانبية، يكون مصيرها الموت، أو الإعاقة، أو ما شابه ذلك من مآس تتداولها الصحافة والتقارير على أكثر من نطاق.
وعليه، فإن الحكومة مطالبة، في أقصى الحدود، بإشراك المواطنين في جميع الخطوات التي ستقوم بها مستقبلا، بخصوص التجارب السريرية، والإسراع بوضع نظام للإعلام والتحسيس والتواصل حول موضوع شديد التعقيد، قد يؤدي أي تهور فيه إلى الإضرار بسمعة البلد، ونعته في المحافل الدولية والمنتديات الحقوقية باستغلال مواطنيه فئران تجارب “بلا خبارهم”.
فقطعا، لا يحتمل كلامنا أي تشكيك في نوايا الحكومة ووزارة الصحة، لكن من حق من تعرض للدغة ثعبان، أن يخاف من حبل.
فلا تجعلوا من أنفسكم حبالا “راشية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى