fbpx
ملف الصباح

القيم والأخلاق … عصيد: هنـاك خصـام بيـن التديـن والأخـلاق

عصيد قال إن مدننا تضخمت دون حس مدني

قال أحمد عصيد إن هناك خصاما حدث بين التدين والأخلاق عند المغاربة بفعل تسرب العديد من القيم والمنظومات الدخيلة، مثل الفكر الوهابي والإخواني الذي زرع في النظام التعليمي بذور الحقد والكراهية تجاه الآخر. وأضاف الناشط الحقوقي العلماني أن الدين تحول إلى مظاهر استعراضية، كما أن المدن تضخمت بدون حس مدني ما ساهم في انهيار القيم والأخلاق.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

< خلال فترة عيد الأضحى تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لمواطنين يسرقون الأغنام لإحياء شعيرة دينية؟ كيف يمكن قراءة هذه المشاهد وما تنطوي عليه من تناقضات؟
< هذه الظاهرة نبهت إليها منذ سنوات، وما فتئت أنبه لها، وهي الخصام الذي حدث بين التدين والأخلاق عند المغاربة، وهذ يعود إلى عوامل متعددة منها التوجه الاقتصادي الليبرالي المتوحش الذي جعل المواطنين مستهلكين بشكل بهيمي، دون مراعاة الأعراف ولا الأخلاق، مما ساهم في شيوع نوع من الأنانية الفردية التي تنكر الآخر وتنفي أهمية الغير ووجوده.
كما أن دخول نوع جديد من التدين على المغاربة، ركز على المظاهر الخارجية وحوّل الدين من سلوك قويم ومستقيم وأخلاق عالية إلى تشدد في أداء الشعائر وأيضا معاملة غير المسلم بكراهية وعدائية بمسحة إيديولوجية وسياسية، بمعنى تحول الدين إلى سلوك يستهدف إلى استعارة الدولة الدينية، ويركز ويشدد على المظاهر السطحية للتدين مثل اللحية والخمار وسجادة الصلاة فوق الكتف والصلاة في الأزقة والشوارع، كل هذه مظاهر استعراضية للتدين لا علاقة لها بالأخلاق ولا بحسن المعاملة ولا القيم النبيلة، بل مجرد مظاهر فولكلورية للتدين، ساهمت في قتل القيم النبيلة والأخلاقية التي كانت تتميز بها العائلة المغربية والمجتمع المغربي في العقود السابقة.

< ما هو دور التربية والتعليم وسط كل هذا؟
< ابتداء من نهاية السبعينات، عندما أدخل النظام السياسي الوهابية والإخوانية المصرية ليعوض بها الفقه المغربي والتدين الصوفي المغربي المتمثل في الزوايا، أدخل هذا النموذج المستورد إلى النظام التعليمي مضامين قائمة أساسا على كراهية الآخر، كما أن الإسلام السياسي الذي جاء به النموذج الوهابي والإخواني قائم على كراهية الغرب معتبرا إياه مصدر الانحلال وتبخيس كل منجزاته واكتشافاته، بل قام على التشدد في إيقاظ الفقه القديم الذي مات وانتهى في عصور الانحطاط ليعاد بعثه من جديد في المقررات المدرسية، وتعود مفاهيم الحدود والجلد والرجم وقطع اليد والرؤوس وغيرها.
كما أن إحداث شعبة الدراسات الإسلامية يعد أكبر كارثة ضربت الجامعة المغربية التي وصلت الآن إلى مرحلة الإفلاس، فهذه الشعبة تمثل توجه الإخوان المسلمين والوهابية داخل الجامعة العصرية، التي لا مكان فيها أصلا لمواد الفقه القديم بل مكانها هو المدارس العتيقة، بينما الجامعة العصرية فضاء للعلوم الإنسانية والآداب العصرية والطب والاقتصاد وغيرها، وعندما فتحت هذه الشعبة صارت لها أبعاد مدمرة للدرس الجامعي، مثلما كانت مادة التربية الإسلامية مدمرة للتعليم الأساسي في الابتدائي والإعدادي والثانوي، وكل هذا نشر في المجتمع تدينا فلكلوريا مضادا للأخلاق، فمثلا إذا كانت الأخلاق الإنسانية تحث على احترام الآخر من حيث هو إنسان، فإن التدين يقول لك إن الآخر غير المسلم غير جدير بالاحترام.
إذن أصبحنا أناسا غير متخلقين باستعمال الدين نفسه الذي من المفروض أن يكون مسايرا للأخلاق الإنسانية والمدنية، فإذا بنا نجد أنفسنا نفعل العكس بتوجيه الدين نحو محاربة الأخلاق، وأقصينا من المدرسة المغربية مادة الأخلاق التي كانت تدرس في ما قبل، ومن خلالها كان المدرسون يلقوننا مبادئ النظافة وكيفية معاملة الآخرين واحترام من هم أكبر سنا منا، والرأفة بالحيوانات والحفاظ على البيئة، وأشياء أخرى جميلة، تم تعويضها بمادة التربية الإسلامية التي صارت هي المشرف على الأخلاق وهذا شيء خطير.

< هل هناك فرق بين الأخلاق والتدين؟
< نعم فالأخلاق هي التمييز بين الخير والشر بناء على العقل وليس على النصوص الدينية، التي يمكن أن نجد فيها ما هو مناف للأخلاق في بعض الأحيان، مثلا أن تجد حديثا في صحيح مسلم يقول "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" فهل هذه أخلاق يمكن أن نؤسس لها بمضايقة من يخالفوننا العقيدة؟ فإذا طبقنا هذا النص فإننا لن نكون متخلقين، وهناك نصوص عديدة على هذا المنوال، تجعل من المستحيل الاعتماد على النص الديني وحده مصدرا للتشريع الأخلاقي، بل على قدرة الإنسان وكفاءته العقلية وحسه السليم للتمييز بين ما هو خير وما هو شر، وهي المسألة التي سبق أن أشار لها المعتزلة منذ بداية التاريخ الإسلامي، قبل أن يجهض مشروعهم الفكري ويحكم عليه بالإعدام في مقابل نشر الفكر الأشعري الذي هو أساس جل مظاهر التدين الإسلامي التي نراها اليوم.

< المشكل أننا اليوم أمام نموذج لمواطنين لا يردعهم شيء: لا دين ولا قانون ولا أخلاق مدنية.. ما الذي حدث؟
< ما وقع للمغاربة هو أنهم فقدوا القيم النبيلة والإنسانية وأصبحت الأنانية الفردية والرغبة في الربح السريع، أو الربح بدون كد واجتهاد وعمل، فأصبح المغربي يعمل على أن يحقق لنفسه وضعية رفاهية على حساب الآخرين، وهذا نتاج الليبرالية المتوحشة وأيضا التدين السطحي والتربية غير الأخلاقية، كما فقدوا هذه القيم، ولاستعادتها لا بد من حملة وطنية، وأن تقف الحكومة والبرلمان والنخب لتقوم بحالة استنفار كبرى في موضوع الأخلاق والقيم، وتبدأ من التعليم، وتسحب منه كل المضامين غير الأخلاقية التي توضع فيه باسم الدين، مثلا من غير الأخلاقي أن تدرس للأطفال الغزوات والحروب والقتل وتقول لهم هكذا ضحى المسلمون الأوائل من أجل نشر الإسلام، لأن من شأن هذا أن يشحن الطفل بمزيد من الحقد والكراهية، ويعتبر أن النهضة والعزة والحضارة عندما كان القتل، وعندما كانت الغزوات وليس في حالة السلم والتعايش.

الروابط القبلية تفككت

< هل معنى هذا أن النظام القيمي والأخلاقي للمغاربة كان قائما خارج منظومة التعليم وأيضا المؤسسة الدينية؟
< مثلا الأخلاق القبلية، المنتمية للنظام القبلي المحلي، كان هناك تنظيم "الجْماعة" (بتسكين الجيم) وكان لها نظامها القيمي والأخلاقي، ويلتزم الناس به، لأنهم يعيشون في جماعة ويعرفون بعضهم البعض فلا يرضى أي واحد منهم أن ينعت بأنه قد خرق اتفاق الجماعة، فيحرص الناس على الالتزام بهذه الضوابط، وتقاسم الخيرات بشكل متعادل واحترام بعضهم البعض وفقا لضوابط وقوانين ليست دينية بالضرورة، بل عرفية تضعها الجماعة ويعتمدون عليها.
وعندما جاءت الدولة الحديثة مع الاستعمار تفككت الروابط القبلية ولم تعد القبيلة مسلحة، ولم تعد تنظيما مستقلا، فبدأ الناس يهاجرون نحو المدن، وهنا حدثت الكارثة، لأنه إذا هاجر الفرد من القبيلة والجماعة إلى الوسط الحضري، ينبغي أن يجد بديلا للنظام القبلي وهذا البديل هو المواطنة ودولة القانون، فلم يجد هذا البديل، بل جاء إلى الوسط الحضري ليشعر بالضياع، لأننا لم نؤسس دولة القانون والمواطنة، ولهذا تجده يستقر في كوخ بالضاحية، ويبدأ التفكير في العيش بأية طريقة، حتى ولو أدى به الأمر إلى سلك طرق غير مشروعة من سرقة ومحسوبية وزبونية لكي يعيش، لأنه لا يمكن أن يعيش مثلما كان يعيش في جماعة كان محميا وسطها، لكنه في الوسط الحضري صار يعيش في مواجهة المجهول، لهذا فإن جزءا كبيرا من المجتمع المغربي فقد القيم الأصلية بسبب تضخم المدن بدون تنظيم المواطن وبدون حس ولا وعي مدنيين، لأن الوعي المدني هو الذي يجعل الإنسان في المدينة يحترم الوسط الذي يعيش فيه والآخرين وما يفرضه عليه حسن الجوار وقوانين وضوابط الدولة، إذ أن الانتقال من الوسط القروي إلى الوسط الحضري، كان لا بد فيه من تهيئة الاستقبال لهؤلاء المواطنين المهاجرين من قراهم، مثلما يتم في الغرب فالمهاجرون من القرى كانت تستقبلهم النقابات والجمعيات وتيسر لهم الاستقرار وتحارب الأمية في أوساطهم، خاصة خلال المرحلة التي ظهرت فيها الرأسمالية والمعامل الكبرى، فكان القرويون المهاجرون من البوادي إلى المدن يجدون استقبالا في الوسط الحضري، وهذا ما لم يحدث عندنا فساهم في مزيد من انهيار القيم.

تعليق واحد

  1. يا سيدي عصيد، مع احتراماتي لتفكيرك ولشخصك لكني أظن أن منظومة تفكيرك تفتقر إلى المقاربات الإقتصاد-اجتماعية-سياسية. مصالح آل سعود السياسية جعلتهم يستغلون مصالح محمد بن عبدالوهاب الدينية وهكذا بنى آل سعود دولتهم على قيم محمد بن عبدالوهاب. مصطفى كمال أتاتورك العلماني استغل سعيد النورسي المتدين لبناء قوته العسكرية والسيطرة على الدولة لتحييد الدين. وتبعه على هذا المنوال بورقيبة في تونس وعبد الناصر في مصر والقدافي في ليبيا والعسكر في سوريا والعراق. المغرب دأب منذ السبعينات على محاربة التدين عن طريق الإشتراكيين رغم أن مشروعية الدولة مبنية على الدين. الإستعمار الذي أخرج من ديار المسلمين بالجهاد، عرف هذه القوة وقام على محاربته بمشاركة العلمانيين لتحييد القوة الدينية المبنية على قيم الإسلام الخالدة لتحل مكانها قيم هشة مبنية على الظهور والواجهة وهو ما نجح فيه مؤقتا. وخير دليل على هذا النجاح المؤقت هي تركيا التي حاول العسكر بكل ما أوتوا من قوة بمحاربة الدين وتحييده. وها هو يعود بفضل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. القيم في المغرب هي فقط تقاليد ورثناها غير مبنية على تربية دينية حقة ولهذا نرى اختلالات أخلاقية لا تمت للدين بصلة. نسأل الله أن يردنا إلى دينه ردا جميلا. آمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق