الأولى

ساعات في جحيم مقهى للقمار بالبيضاء

تعرضت لتهديد بهتك العرض والاختطاف و”الجلوس على القرعة” على يد “قمارة” ومسيرهم

قد يبدو الإدمان على القمار أهون من الإدمان على الكوكايين، ولكن حين تقتحم عالم هذه الفئة ستخرج بنتيجة أنك مخطئ وبـ”سلخة” لأنك حاولت أن تعرف ما يدور في قلاع القمار المنتشرة في الدار البيضاء.
قصدت، أول أمس (الثلاثاء)، إحدى هذه القلاع، خاصة أن أغلب المدمنين على القمار فيها من المسحوقين والذين خربت أسرهم وتفككت بناء على شكايات قدمت إلى جمعيات نسائية. كان يجب أن أعيش يوما معهم في البحث عن وهم الربح، وفي تفاصيل هذا البحث الذي استغرق بالنسبة إلى بعضهم عشرين سنة، طلقوا فيها زوجاتهم وتزوجوا مرة أخرى وطلقوا وتزوجوا وتطلقوا، وبعضهم أصبح لصا محترفا من أجل ضمان مبالغ يومية لإرضاء إدمانه ليس إلا، وفي خضم (هذا البحث) وهذا الحديث الحزين مع بعض هؤلاء، خرج مدير الوكالة كما قدم نفسه وشرع في تحريض المدمنين على البحث في ملابسي عن كاميرا خفية، لأجد نفسي أعيش تجربة ما عاشته المصريات ضحايا الاغتصاب في ميدان التحرير، هذا يضع يده هنا وذاك هناك، بمبرر البحث عن الكاميرا، ومدير الوكالة يشل حركتي ويمنعني من الدفاع عن نفسي، فيما يردد عبارات تفيد أنه إذا نجوت من قبضتهم قبل العثور على الكاميرا الخفية، فإن قصصهم ستعرض في التلفزيون في برنامج “محققون”.
ورغم أني أكدت له مرارا أني صحافية في جريدة “الصباح”، ولا علاقة لي بالتلفزيون ولا أملك أي كاميرا، فإنه أمعن رفقة حرس أمن خاص في تعنيفي جسديا ولفظيا، وفسح المجال لمدمني القمار في العبث بجسدي، فيما لم يسلم أحد زملائي من الدفع، إلا أنه لم يتعرض للعبث بجسده بحثا عن الكاميرا المزعومة، وهو ما يعني أن معشر المقامرين لم يكونوا يبحثون عن كاميرا وإنما عن لمس جسد أنثوي، وإلا لكان زميلي تعرض هو الآخر للممارسات نفسها. كان المدير يمسك بيدي بقوة ويتعمد مرارا وضع يده الأخرى بالقرب من صدري، مؤكدا أني أخبئ الآلة الدقيقة في هذا المكان الحساس، وأحيانا يرفع ركبته بحثا عن مكان حساس آخر لولا أنني كنت أحمي نفسي بحقيبة يد كبيرة، والغريب أن الباحثين عن “الكاميرا” لم يفكروا أن يبحثوا عنها في الحقيبة مثلا لو كان دافعهم صحيحا.
لم يقتصر الأمر على هتك عرضي في عرض الشارع، من طرف حشد من المقامرين وأمام مرأى مارة، اكتفوا بالنظر من بعيد، غير آبهين بصراخ امرأة، بل أن المدير كال لي السب والشتم وهددني ب”نغبروا دين أمك” “هاذي راه الشركة ديال الملك وديال حزب الأصالة والمعاصرة”. وكأن الرجل يقول إنه يملك بطاقة خرق القانون باسم جلالة الملك وباسم حزب الأصالة والمعاصرة.

مرت أزيد من ساعة قبل أن يصل عنصرا أمن من “الصقور” لكنهما عجزا عن تحريري وكانت الأيادي تمتد إلي أمامهما، ورغم صراخهما في وجه المقامرين، إلا أنهما وجدا صعوبة كبيرة في تخليصي من قبضة مدير الوكالة، ولا من عبارات نابية وإشارات من حارس الأمن الخاص الذي أشهر في وجهي عضوه التناسلي، مهددا باغتصابي ويؤكد أن مدير الوكالة “غادي يجلسك على قرعة”، وسط تشجيعات المقامرين الذين كانوا يرددون “بغيتي تشوهينا في العائلات ديالنا، بغيتي تدوزينا في التلفزة وتخربي ديورنا”.
وفيما كان عنصرا الأمن يجاهدان لتحريري، وصلت عناصر أمنية أخرى بزي مدني ليتم تخليصي، ولم ينفع ذلك في تخفيض منسوب نفوذ المدير، بل كان الرجل مطمئنا إلى أنه يملك رخصة تعنيفي والاعتداء علي ومطالبتي بتعويض الشركة عن خسارة يوم من العمل، ليسائلني رجل أمن عن الترخيص الذي أحمله للعمل في الشارع العام، لأؤكد له أني لا أحتاج ترخيصا أكثر من بطاقة الصحافة الوطنية، وأكثر من إيفادي من طرف رئيس تحرير الجريدة للقيام بعملي على غرار زملائي.
بعد أن حررت، وصلت مسؤولة تابعة إلى الشركة المسيرة للوكالة واستمعت إلى روايتي، إلا أنها ظلت ترجح رواية المدير وشهوده من المقامرين، ورغم أني شرحت لها ما عانيته كامرأة أولا من عنف ومن هتك عرض،إلا أنها طالبتني بعدم استكمال إجراءات تقديم شكاية، لأن الأمور حسب تعبيرها ستسير “إلى مستوى عال جدا”، ما اعتبرته تهديدا ثانيا باسم “مستوى عال جدا”.
 كنت أعتقد سابقا أن مدمني الكوكايين وحدهم يكونون مستعدين لفداء مزوديهم بهذه السموم بروحهم، لكني خرجت من “السلخة” التي تعرضت لها على يد المقامرين أن مدمني القمار مجرد عبيد لأصحاب مقاهي ووكالات القمار، وأنهم مستعدون ليس لسرقة أمتعة بيوتهم من أجل ضمان الرهان للمرة المليون، ولكنهم مستعدون لاغتصاب امرأة والدوس على كرامتها من أجل رضى من يخرب بيوتهم. وهو إدمان لم يكن ممكنا فهمه كما اعتقدت بقضاء يوم واحد معهم، ومشاركتهم التجربة عبر الرهان طيلة اليوم، بل بإخراج الوحش الذي يسكنهم بمجرد أن يمنحهم مسؤول المقهى أو الوكالة الإشارة الخضراء.
كنت سأعتبر ما وقع إكراها من إكراهات مهنة المتاعب وأسجلها في مفكرتي وأنسى، لو توقف الاعتداء عند التهديد لفظيا، لكن الأمر أكبر من ذلك بما أن المتعدين لم يروا في الصحافية بل الجسد الأنثوي المستباح. طلب مني بعض الزملاء ألا أكتب كل شيء، خاصة هتك العرض لكني بذلك أعرض زميلاتي للممارسة نفسها، وبسكوتي تتضخم الفاتورة التي سيصبح على جيل الصحافيات المقبل دفعها. لذلك لن أستر ما فضح الله في الشارع العام في وضح نهار شارع باريس.

ضحى زين الدين

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق