fbpx
حوادثمقالات الرأي

نشاط: مدونة التجارة وسؤال النجاعة التشريعية

مساطر المعالجة أقصت دور المحكمة في تقييم مخطط الإنقاذ (3/2)

بقلم: د. محمد نشاط*

في هذا السياق فإن الحديث عن مساطر المعالجة يقتضي التمييز بين مسطرة التسوية القضائية و مسطرة التصفية القضائية، ومن ثمة فإذا كان المقترح يهدف إلى إخضاع المقاولات غير المتوقفة عن الدفع لهذه المسطرة، فان ذلك يفرض الإشارة إلى ذلك بوضوح على غرار الصياغة التي يستعملها المشرع في الكتاب الخامس، حيث يربط صياغة “ليس بمقدورها تجاوزها” بمصطلح دون أن تكون في وضعية توقف عن الدفع، أما إذا كانت غاية المقترح أن تكون المقاولة متوقفة عن الدفع لتستفيد من هذه المسطرة يكفي ذلك المصطلح بمفرده لأنه كفيل للدلالة على أن المقاولة متوقفة عن الدفع.
الملاحظة الثالثة: أقصى المقترح دور المحكمة في تقييم مخطط الإنقاذ وذلك من خلال الموافقة عليه إذا وافق عليه الدائنون، ليجعل المحكمة بمثابة مصلحة لتصحيح الإمضاء.
ويمكن القبول بهذا المقترح إذا كان الأمر يتعلق بمسطرة المصالحة التي تهدف فقط إلى إبرام اتفاق مصالحة بين الدائنين بتدخل أو وساطة المصالح، لكن مسطرة الإنقاذ تتجاوز مصلحة الدائنين لأن مخطط الإنقاذ لايتضمن فقط تسديد ديون المقاولة لفائدة دائنيها، وإنما يتضمن أهدافا أخرى إلى جانب تسديد الديون، كالحفاظ على مناصب الشغل واستمرارية نشاط المقاولة، وهي أهداف لا علاقة للدائنين بها، وبالتالي ليس من المقبول جعل مصير مخطط الإنقاذ بيد الدائنين.
من جهة أخرى، اختزال دور المحكمة في إصدار حكم بقبول المخطط دون منحها إمكانية تقييمه أو تعديله أو رفضه أمر مناف لدور المحكمة في الكتاب الخامس، لأن المخطط له أبعاد ومرام تتمثل أساسا في تصحيح وضعية المقاولة، وبالتالي متى تبين للمحكمة أنه لا يتضمن ما يمكن أن يؤدي إلى تحقيق هذه الأهداف وجب عليها رفضه، وهنا يكمن دور القضاء في مراقبة إجراءات المسطرة، وأيضا حماية النظام العام الاقتصادي.

الملاحظة الرابعة: تتطلب عملية تتميم أي قانون من الجهة الساهرة على وضع المقتضيات القانونية المتممة له، الإلمام بالقانون المراد تتميمه، وذلك حتى تكون النصوص المتممة منسجمة مع النصوص المتممة، وهذا الأمر لم نجد له أثرا في مقترح القانون الذي نحن بصدد مناقشته، لأن هذا المقترح لم يأخذ بعين الاعتبار المراحل التي يمر منها الطلب المقدم من قبل رئيس المقاولة إلى المحكمة والإجراءات التي تقوم بها المحكمة قبل البت في الطلب.
فالمحكمة قبل إصدار الحكم القاضي بفتح مسطرة الإنقاذ تقوم بمجموعة من الإجراءات تكون بين مرحلة تقديم الطلب والحكم القاضي بفتح المسطرة وتسمى الإجراءات السابقة عن الحكم من قبيل:
ـ الاستماع لرئيس المقاولة بغرفة المشورة.
ـ الاستماع لكل شخص يمكن أن يفيدها في وضعية المقاولة.
ـ الاستعانة بخبير لتقييم وضعية المقاولة.

وبالتالي وجب عدم سلب المحكمة الدور الاقتصادي الذي تقوم به من خلال ضمان إنقاذ المقاولة، وذلك بالمشاركة في تقييم وإمكانية تعديل مشروع مخطط الإنقاذ.
الملاحظة الخامسة: عدم وضوح الرؤية في هذا المقترح لدور المحكمة، إذ جردتها الفقرة الثالثة من الدور الأساسي الذي يجب أن تلعبه وخصتها فقط بالموافقة على مشروع المخطط، ثم بعد ذلك يتراجع المقترح في الفقرة الرابعة ليعطيها دورا يصل إلى درجة التحكم في مدة تنفيذ المخطط وهي سنة، وإن كانت مسألة المدة يجب أن تحدد من خلال النص وعدم تركها للمحكمة، ثم بعد ذلك يسلبها هذا الحق عندما يجعل تمديد مدة تنفيذه بيد الدائنين كلهم أو بعضهم، ودون تحديد الدائنين هل الدائنون أصحاب الضمانات أم الدائنون العاديون.
الملاحظة السادسة: من عيوب الصياغة أنه في الفقرة الثالثة مدة تمديد تنفيذ المخطط غير محددة، حيث لم يحدد عدد مرات تمديد المخطط، وأيضا نسبة الدائنين المقبولة لتمديد المخطط ناهيكم عن أن مدة سنة لتنفيذ المخطط تبقى غير كافية، بل يستحيل معها تنفيذ مخطط الإنقاذ داخل هذا الأجل.
الملاحظة السابعة: إن واضعي مقترح القانون لو رجعوا إلى مواد الكتاب الخامس واستحضروا غاية المشرع من وضع مقتضياته لما وضعوا الجزاء الجنائي المتمثل في جريمة خيانة الأمانة، لأن هذا المقتضى القانوني بعيد كل البعد عن المنحى الذي اعتمده المشرع في صياغة الكتاب الخامس. إن الأسلوب الذي يتبناه الكتاب الخامس هو أسلوب تحفيز رئيس المقاولة على التسريع بطلب فتح المسطرة المناسبة لوضعية المقاولة وليس ترهيبه وتخويفه من خلال متابعته بجريمة خيانة للأمانة، إضافة إلى ذلك فإن الأفعال التي يأتي عليها رئيس المقاولة لا تدخل ضمن جريمة خيانة الأمانة المنصوص على عناصرها التكوينية في المادة 547 من القانون الجنائي.
من خلال هذه الملاحظات المشار إليها سابقا، فإنه لابد من إثارة سؤال كبير يتعدى عيوب مقترح القانون، هو: هل نحن بحاجة إلى هذا المقترح لإنقاذ المقاولات من آثار الجائحة؟ أم أننا بحاجة إلى تعديل وإصلاح شمولي للكتاب الخامس؟ هذا السؤال يدفعنا إلى طرح سؤال آخر ويجب الجواب عليه هو: هل يمكن المراهنة على الكتاب الخامس للتخفيف من آثار الجائحة على المقاولات التي تعاني صعوبات بسبب الظرفية الراهنة؟

إن الجواب الواضح والصريح على السؤال الأول يأتي من خلال مضمون القانون رقم 73/17 المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، وهو القانون الذي روج له بمناسبة إعداده على أنه سيأتي بمقتضيات جديدة يتجاوز بها علل القانون الملغى، لكنه في نهاية المطاف أخلف الموعد ولم يأت بما كان منتظرا منه لعدة أسباب هي كالتالي:
1/ إن الغاية من تعديل الكتاب الخامس لم تكن بهدف تجويده وتجاوز المقتضيات التي لم تعد صالحة للتطبيق، وإنما كانت الغاية الأساسية من تعديله هي تحسين وضعية المغرب ضمن مجموعة دوين بزنس،حيث كان المغرب قبل التعديل يحتل الرتبة 134 ولكن بعد تعديل الكتاب الخامس تحسن ترتيبه وأصبح يحتل الرتبة 53 .
2/ الغاية التي كانت أيضا وراء التعديل، توحيد التشريع المغربي مع التشريع الدولي، وذلك لتشجيع الاستثمار الأجنبي بسبب انخراط المغرب في مجموعة من العلاقات الدولية.
3/ جل مقتضيات القانون الحالي هي من القانون الملغى، حيث تم فقط تغيير أرقام المواد باستثناء بعض التعديلات الطفيفة، كتغيير مفهوم التوقف عن الدفع، وتنظيم جمعية الدائنين، وإلغاء مسطرة التسوية الودية وتعويضها بمسطرة المصالحة، وإدخال مسطرة الإنقاذ، وأيضا المساطر العابرة للحدود.
* محام بهيأة سطات

أستاذ زائر بكلية الحقوق سطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق