حوادثمقالات الرأي

برجاوي: القانون الدولي والبيئة والاقتصاد … التوازن الهش

ظهور وعي عالمي بضرورة حماية البيئة باعتبارها ملكا مشتركا لجميع البشر

أعاد انتشار جائحة (كوفيد 19)، طرح السؤال الحارق حول التوازن الذي ينبغي بناؤه بين القانون الدولي والاقتصاد والبيئة، حيث تحرص منظمات حقوق الإنسان، بمختلف أصنافها القانونية، على مطالبة الدول باعتماد تشريعات تقيد الأنشطة الاقتصادية المضرة بالبيئة، صونا “للحق في بيئة سليمة” باعتباره إحدى أبرز ركائز الجيل الثالث من حقوق الإنسان، إضافة، طبعا، إلى الحق في عالم يسوده الأمن.

(2/1)

بقلم: د. هشام برجاوي *

رغم أن استدماج البعد البيئي من لدن القانون الدولي، الذي حقق تطورا هاما بعد إبرام اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واعتماد تشريعات وطنية تحد من تأثيرات النشاط الإنتاجي على البيئة، فإن هشاشة النصوص القانونية الرامية إلى حماية البيئة، خاصة جوانبها العقابية، ووصول أحزاب وشخصيات يمينية إلى مفاصل صناعة القرار في كبريات دول العالم، أفضى إلى إبعاد الهاجس البيئي عن العلاقات الدولية، التي ما تزال المصالح الاقتصادية الصرفة محركها الجوهري.
لابد من التذكير، في البدء، بأنه تكتنف المنظومة القانونية الدولية، منذ انتهاء الحرب الباردة، تحولات بنيوية شملت محتواها ووسائل تطبيقها. ويتجه المجتمع الدولي نحو التخلي المتدرج عن القانون الدولي التقليدي، المرتكز على مبادئ عدم التدخل في شؤون الدول، واعتبار التفاهمات المستمدة من المعاهدات الثنائية ومتعددة الأطراف التي تبرمها، المصدر الأساسي للقانون، وتعويضه بقانون دولي يحترم وضعية الإنسان، ويضمن القوة الإلزامية الفعلية للنصوص القانونية المتصلة بحقوقه.
إن تكريس القوة الإلزامية للقانون الدولي “الجديد” نابع، أساسا، من تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد أثرت الأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان، بصورة مباشرة، على القانون الدولي الذي انتقل من مجرد أداة للتأطير التوافقي والمتفاوض بشأنه للعلاقات بين الدول، إلى توفير أدوات حقيقية لضمان احترام الحقوق الفردية والجماعية بأجيالها الثلاثة.
واستنادا إلى الدور المتعاظم، الذي تقوم به الفعاليات المجتمعية (الحركات الاحتجاجية، ضغوطات جمعيات و منظمات المجتمع الدولي سواء الدولية منها أو المحلية) قصد ضمان اعتراف فعلي بالجيل الثالث من حقوق الإنسان، ظهر وعي عالمي بضرورة حماية البيئة باعتبارها ملكا مشتركا لجميع البشر في الحاضر والمستقبل.
ويشير الانتشار المتزايد للفعاليات المجتمعية، المحلية والعالمية، التي تطالب بحماية التوازنات البيئية، إلى أن المجتمع الدولي أدرك جيدا أن استفادة الأفراد من الحقوق السياسية والاقتصادية (التي تجسد الجيلين الأول و الثاني لحقوق الإنسان) تستوجب فضاء عالميا، يوفر للحق في السلم والبيئة السليمة حماية ملموسة.
إن “الحق في بيئة سليمة” و”الحق في عالم يسوده السلم” يمثلان الركيزة الكبرى للتنمية المندمجة التي تتحقق من خلال نشاط تشريعي قادر على خلق نصوص قانونية تضمن الحق في بيئة سليمة، وتقيد الاستثمار بشرط احترام البيئة من ناحية، ومن خلال نشاط اقتصادي تلتزم فيه الشركات بوضع حماية التوازنات البيئية في مقدمة شروط الإنتاج من ناحية أخرى. ويكون، في المحصلة، ضمان “الحق في البيئة السليمة”، كأبرز حق أقره الجيل الثالث لحقوق الإنسان إلى جانب الحق في عالم آمن، مسؤولية مشتركة بين ثلاثة فاعلين أساسيين :

– الدولة.
– نساء ورجال الأعمال.
– المجتمع المدني.
ونظرا للتأثير الفعال للفعاليات المجتمعية (من خلال مؤسسات المجتمع المدني) في تطوير الأدوات القانونية المتصلة بحماية البيئة، ونظرا لارتباط الحد من تغير المناخ بالاقتصاد عبر ضرورة التقليل من نشاط بعض المؤسسات الانتاجية، المضر بالتوازنات البيئية، فإن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، والتي يعد مؤتمر الأطراف (Conférence des Parties-Cop) جهازها الأسمى، اعتمدت إدارة القرب وسيلة محورية لإنفاذ مضامينها.
ويتجلى استدماج البعد الترابي من قبل واضعي الاتفاقية الإطارية في إقرار مبدأ التشريع البيئي الواقعي، وفي اعتماد الجماعة الترابية مستوى ترابيا للتطبيق الأنجع للمقتضيات القانونية، الرامية إلى حماية التوازنات البيئية.

أولا : إقرار مبدأ التشريع الواقعي.
تبعا لإقرار الاتفاقية الإطارية بسيادة الدول في التعاون الدولي، الموجه للحد من التغيرات المناخية، جرى اعتماد مبدأ الواقعية التشريعية. ويجيز هذا المبدأ للدول اعتماد النصوص القانونية المنسجمة مع قدراتها وخصوصياتها الاقتصادية والترابية، ذلك أن الإمكانيات التي يمكن أن تعبئها الدول المتقدمة لضبط التغير المناخي تختلف، من حيث الحجم و الفعالية، عن الإمكانيات التي يمكن أن ترصدها الدول النامية، كما أن المناطق التي تتسبب في استشراء التغيرات المناخية يهيمن عليها الطابع الصناعي، وتشكل ركائز اقتصادية بالنسبة للدول التي تنتمي إليها.
وتلافيا للانعكاسات الاقتصادية لمجهودات الحد من التغيرات المناخية، والتي تستوجب تخفيف أنشطة بعض المؤسسات الإنتاجية، خصوصا الوحدات الصناعية، التي تستخدم الغازات المحفزة للاحتباس الحراري، اعترفت الاتفاقية الإطارية بالبعد الواقعي للتشريعات الوطنية المتصلة بالحد من التغيرات المناخية، والذي تشبثت به الدول، حفاظا على نسيجها الإنتاجي.
* أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض مراكش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق