fbpx
مقالات الرأي

صابر: مدى دستورية إجراء التقاط المكالمات الهاتفية

عمل المغرب منذ سنة 1958 جاهدا لحماية حقوق الإنسان، إلى أن صدر أول دستور للمملكة سنة 1962 والذي نص في بابه الأول على مجموعة من الحقوق والحريات، والتي حافظ عليها دستور 1970 و1972 ثم دستور 1992 الذي أكد في ديباجته على أن “المملكة المغربية تؤكد تشبتها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا”.
فمن خلال ما سبق ذكره، فإن الحماية الدستورية لسرية المكالمات الهاتفية، فلم يتم ذكرها ضمن باقي الحقوق المكرسة في تلك الدساتير، ولكن بالرجوع إلى الفصل 11 من دستور 1996 نجده يشير إلى أنه ” لا تنتهك سرية المراسلات “، والواقع أن هذا الفصل أثار العديد من النقاشات، بين من يرى أن ما ورد في نص الفصل 11 من الدستور فهو لا ينصرف إلى المكالمات الهاتفية وإنما ينحصر تطبيقه في الرسائل المكتوبة كما هو متعارف عليها تقليديا، وبالتالي فإن كلمة “مراسلات لا تشمل إلا المكاتيب والرسائل المكتوبة أو المطبوعة .
وبين من يرى بأن لفظة مراسلات لا تنحصر فقط في الرسالة المكتوبة التي تعتبر حديثا مكتوبا، وإنما تتجاوزها إلى الأحاديث الخاصة للأشخاص سواء تمت هذه المحادثات شفويا، ومباشرة وجها لوجه، أو عن طريق استعمال أجهزة الهاتف ووسائل الاتصال الأخرى.

ونحن نؤيد الرأي االثاني القائل بإخضاع المكالمات الهاتفية للفظة المراسلات، حيث لا يمكن أن نجرد المحادثات التي تدور بين الأشخاص بواسطة جهاز الهاتف من مفهوم المراسلات، كما لا يمكن أن نجرد كلمة المراسلات من مفهوم الاتصالات، وذلك ناتج عن كلمة المراسلات التي لم تعد محصورة في الرسائل المكتوبة، سواء كانت هذه الرسائل محررة على دعامة تقليدية، أو على دعامة إلكترونية. بل أصبح مفهوم الاتصالات أوسع وأشمل من المراسلات، حيث تعتبر هذه الأخيرة جزء من الاتصالات، ودليلنا في ذلك، ما نص عليه المشرع المغربي في القانون رقم 24.96 المتعلق بالبريد والمواصلات الصادر سنة 1997، والمعدل والمتمم بمقتضى القانون رقم 121.12، حين عرف الاتصالات في البند 18 من المادة الأولى منه بأنها: ” كل إرسال أو بث أو استقبال لرموز أو إشارات أو مكتوبات أو صور أو أصوات أو معلومات كيفما كان نوعها، بواسطة أسلاك أو بصريات أو راديوكهرباء أو أنظمة أخرى كهرومغناطيسية”. ومن خلال هذا النص يتبين لنا أن المشرع المغربي قام بإدراج المراسلات في مفهوم الاتصالات، وبالتالي فإن نطاق تطبيق نص المادة 11 من الدستور فيشمل كذلك المكالمات الهاتفية، ومن تم حصر المشرع المغربي مفهوم الاتصالات وأدخل المراسلات ضمن مفهومها، وهذا ما لا يجوز التوسع فيه.
وبالرجوع للفصل 11 من الدستور فنجده يمنع انتهاك حرمة الاتصالاتدون أي استثناء يطوله، ونص قانوني عادي قائم، وبالتالي فالقانون العادي الذي هو قانون المسطرة الجنائية فهو غير دستوري، لأنه جاء مخالفا لقانون أسمى منه وهو الدستور.
وهنا يطرح تساؤل: ما موقف محاكم الموضوع عندما يتقدم أمامها المتهم الذي خضع لإجراء التقاط المكالمات الهاتفية بدفع مؤداه أن هذا الإجراء غير دستوري، هل لهذه المحاكم حق النظر في دستورية قانون المسطرة الجنائية؟ والتساؤل هذا يصبح أكثر تعقيدا عندما نطلع على الفصل 50 من القانون رقم 90.41 المتعلق بالمحاكم الإدارية الذي جاء فيه “لا يجوز للجهات القضائية أن تبت في دستورية القوانين”.

وقد صدرت بهذا الخصوص العديد من القرارات القضائية التي تجيز لقاضي التحقيق باللجوء لهذا الإجراء في هذه المرحلة –قبل دستور 2011- حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى عدد 1817 /3 بتاريخ 11/07/2007 في الملف الجنحــــي عدد 7293/6/3/2007 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 68 س 2008 ص 357. بأنه ” وحيث انه عمـلا بمقتضيـات المادة 108 من ق م ج فان إجراء التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وحجزها وان كانت إجراء استثنائيا فان المشرع منح قاضي التحقيق إمكانية اللجوء إليه كلما اقتضت ضرورة البحث ذلك وان التقييد الوارد على الإجراء المذكور إنما يتعلق بالتقاط المكالمات الذي يأمر به الوكيل العام للملك في إطار الفقرة الثالثة من المادة 108 المذكورة و لايتعلق بالإجراء الذي يأمر به قاضي التحقيق في إطار الفقرة الثانية من نفس المادة والذي يعتبر غير مقيد بنوع الجريمة أو خطورتها “.

نظرا للجدل الفقهي حول دستورية ذلك الإجراء، فقد جاء دستور 2011، ليؤكد على احترام ضرورة سرية الاتصالات والمكالمات الهاتفية في المادة 24 منه حيث جاء فيها: ” لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، ولا تنتهك حرمة المنزل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون. لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها. ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون”
وبهذا النص أعلاه فيتبين أن دستور 2011، سار على نفس خطى دساتير الدول الأخرى، ومن قبيل ذلك، الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 الذي أكد في ديباجته على تمسك الشعب الفرنسي بحقوق الإنسان ومبادئ السيادة الوطنية مثلما حددها إعلان 1789 وأثبتتها وأتمتها ديباجة دستور سنة 1946، وكذا تمسكه بالحقوق والواجبات التي أقرها ميثاق البيئة سنة 2004 بضرورة إصدار قوانين توضح الحقوق المدنية للضمانات الأساسية التي يتمتع بها المواطنين لممارسة الحريات العامة بما يضمن التعددية واستقلالية وسائل الإعلام وما تقتضيه ضرورة الدفاع الوطني على المواطنين في أنفسهم وممتلكاتهم. وكذلك الدستور المصري الجديد لسنة 2013 الذي أقر في مادته 57 بالحماية الدستورية لحرمة المكالمات الهاتفية، وذلك في إطار حرمة الحياة الخاصة، التي هي أساس الكرامة، وهذا فإن لتعزيز الحماية الجنائية للحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، فإن الدستور المصري جرم كل اعتداء يطال الحريات المنصوص عليها في الدستور، بل وتعدى هذا المدى عندما ألغى التقادم المسقط للدعوى العومية والمدنية الناشئة عنها.

ومن خلال ما سبق، يتبين لنا أن القضاء المغربي يأخذ بهذا الإجراء بغض النظر عن دستوريته قبل صدور 2011، وكذا مخالفته للاتفاقيات الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أضفى حماية دولية في المادة 12 منه. فإن كان الأمر يتطلب شرعنة هذا الإجراء دستوريا، وأن هذا الإجراء مخالف للدستور المغربي الذي يجرم انتهاك حرية الأشخاص في مكالماتهم السرية فما مصير تلك الأحكام الصادرة قبل دستور 2011 ؟

ذ. صابر كمال: باحث في المعاملات الإلكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى