مقالات الرأيملف الصباح

أمراني: العمل عن بعد … مشاكل بالجملة

العمل عن بعد اعتمد دون سابق استعداد وتكوين الموارد البشرية ضروري لإنجاحه

قال المهدي علوي أمراني، أستاذ باحث ومختص في العلاج السلوكي المعرفي والعلاج الأسري النسقي، إن العمل عن بعد يواجه العديد من المشاكل على المدى القريب والمتوسط، موضحا أن تبني هذا النموذج بصفة مستديمة يقتضي العمل أكثر من أي وقت مضى على الرفع من قدرات الموظفين والأطر عن طريق التكوين المستمر والاستثمار في الموارد البشرية. عن واقع تجربة العمل عن بعد وسلبياتها وإيجابياتها ومستقبلها ومحاور أخرى، يتحدث الأستاذ الباحث المهدي علوي أمراني ل”الصباح” في الحوار التالي:

كيف تنظر إلى واقع العمــل عــن بعد، سيما أنه تجربــة جديــدة يخــوضها المغرب للمــرة الأولى؟
لا شك أن أزمة “كوفيد 19” حملت تغييرات كثيرة على عدة مستويات وساهمت في إحداث تجربة جديدة بالنسبة إلى كثير من الأطر والموظفين في قطاعات متعددة تمثلت في العمل عن بعد، علما أن هذا النموذج من العمل كان موجودا قبل هذه الأزمة بنسبة أو بأخرى في العديد من قطاعات الأعمال، مثل أعمال تقنيات المعلومات والتسويق وتطوير التطبيقات مثلا، لكن ارتباطا بهذه المرحلة فقد تم تبني تجربة العمل عن بعد في وقت وجيز ودون سابق استعداد بالنسبة إلى العديد من المؤسسات، مما أحدث بعض الارتباك، خاصة في البداية، فليس كل المؤسسات لديها القدرة على تبني هذا النوع من العمل في وقت قياسي، لكن الضرورة فرضت ردود أفعال مناسبة لتأسيس هذا النمط.
وبعد ذلك بدأت مرحلة التكيف والاستئناس مع استشعار فوائد هذا النهج في ظل استمرار خطر تفشــي الفيروس، والأكيد أن هذه “الثورة التكنوعمليــة” كــانت ستفرض نفسهــا بكل الأحوال، لكن الأزمة سرعت حضورها وانتشارها واحتمال بقائها حتى بعد مرحلة الحجر الصحي الحالية. 

هل يمكن تحديد سلبيات هذا التوجه؟
العمل عن بعد يحمل في طياتــه جوانب إيجابية وأخرى سلبية سواء للموظف أو للمؤسسة أو للمجتمـع عامــة، ويبقى التحدي هــو إيجاد توازن مناسب بين الإيجابيات والسلبيات، فمن جهة يساعد هذا النمــوذج على ربط العمل بالمردودية والإنتاجية بدل ربطه بالحضور، الذي غالبا ما لا يعني شيئـــا، خاصة فــي بعض القطاعــات، كما أنه يساهم في النقص من التنقـلات والتقليص من استهــلاك الطاقــة، مما ينعكس إيجابا على خفض نسبــة التلوث وبالتالي المحافظة على البيئة، وكذلك على تخفيض منسوب التوتر والإجهاد الناجم عن هذه التنقلات بالنسبة إلى الشخص، الذي يستطيع إحداث توازن بين حياته المهنية وحياته الأسرية ويساهم في الرفع من نوعيــة الصحة النفسية، كما يعتبر وسيلة مناسبة للتحكم في التكاليف بالنسبة إلى المؤسسة في ما يخص مختلف النفقات منها خفض الرواتب. 
لكن العمل عن بعد في المقابل يساهم في تعزيز ثقافة الفردانية وتكريس العزلة، التي قد يعيشها الشخص ويعتاد عليها لتصبح نمطه السائد ويصعب عليه بالتالي الانخراط في علاقات اجتماعية سواء على المستوى الشخصي أو المهني، كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفشي أعراض اكتئابية خطيرة.
وبسبب العمل عن بعد يمكن للشخص أن يهمل مسألة الحركة، مما ستكون له آثار مدمرة على الصحة الجسدية، ويؤدي به للإصابة بأمراض عضوية مكلفة ماديا ومعنويا مثل السمنة ومشاكل الجهاز الهضمي.
 
كيف تنظر الى مستقبل هذا النهج؟
هناك الكثير من المتغيرات التي ستتحكم في هذا المستقبل وسيختلف ذلك أيضا حسب القطاعات الاقتصادية والمؤسسات، فبعضها يناسبه هذا النوع من العمل، بل هو جوهر عمله الأساسي، أما البعض الآخر فليس هناك من بد لاعتماد الحضور الفعلي داخل مقرات العمل، والأكيد أن مجهودا تشريعيا يجب أن يبذل في سبيل مواءمة الجانب القانوني لهذا النموذج من العمل، كما أن العمل على تأهيل الموارد البشرية سيكون لابد منه للسير قدما في تطوير وانتشار هذا النوع من العمل وذلك في أفق توفير ثقافة مؤسساتية للعمل عن بعد دون نسيان ضرورة تحسين الجانب اللوجستيكي لتمكين الموظف أو الإطار من القيام بمهامه في أحسن الظروف وضمان المردودية المتوخاة.
 
كيف كان تعامل أغلب الأشخاص مع هذه التجربة، سواء الموظفين أو مرتفقي مجموعة من الإدارات الذين لم يعتادوا على الأمر؟
يجب أن لا ننسى أن هذه التجربة تخرج الشخص من دائرة منطقة الراحة، وبالتالي من الطبيعي أن تلاقي بعض الصعوبات في تبنيها سواء من قبل الموظفين أو المرتفقين، مما ينجم عن ذلك الكثير من مظاهر المقاومة الظاهرة منها أو الخفية، وهو ما يقتضي قدرات ومهارات في التكيف ليست متاحة لجميع الناس، لكن الأكيد أن حتمية المرحلة سهلت كثيرا الإسراع في خطوات تبني هذه التجربة، بينما تبني هذا النموذج بصفة مستديمة يقتضي العمل أكثر من أي وقت مضى على الرفع من قدرات الموظفين والأطر عن طريق التكوين المستمر والاستثمار في الموارد البشرية.
أما في ما يخص المرتفقين فلا يجب أن نغفل أن عددا من المغاربة لا يمكنهم الولوج لشبكة الأنترنت لسبب من الأسباب، وهو ما يطرح مشكلا حقيقيا في المستقبل سواء على المدى القريب أو المتوسط.
أجرت الحوار: أمينة كندي

ارتفاع نسبة العاملين عن بعد بـ 140 في المائة

قال المهدي العلوي الأمراني، أستاذ باحث، إنه حسب بعض الدراسات فإن 5 في المائة على الأقل من الأطر سوف تمر إلى العمل عن بعد بصفة مستديمة، موضحا “يجب أن لا ننسى أن ذلك سيساهم في خفض النفقات بالنسبة إلى المقاولات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تعيشها مع أزمة كوفيد19 وقد أكدت شركة الأبحاث “غلوبال وركبليس أناليتكس” أن نسبة عدد العاملين عن بعد من المنزل ارتفعت العام الحالي بنسبة 140 في المائة عالميا مقارنة ب 2005، وأفادت شركة تطوير نظم مؤتمرات الفيديو “أوللابس” أن 16 في المائة من الشركات في العالم توظف حصريا العاملين عن بعد”.
وأضاف العلوي الأمراني أنه حسب استقصاء أجرته قناة “سي إن بي سي” الإخبارية الأمريكية، لتقصي رأي عدد من مديري الشركات والبنوك الكبار حول العالم، فإن النتائج جميعها تؤكد أن “العمل من المنزل” قد يكون هو “الوضع الطبيعي الجديد” لكثير من الموظفين والمديرين كذلك. كما أن شركات كبرى مثل “مونديليز” و”نيشن-وايد” وبنوكا كبرى مثل “مورغان ستانلي” و”باركليز”، باتت تفكر جديا بانتقال دائم للعمل من المنزل، بما يقابله ذلك من تقليص لمساحات المكاتب.

في سطور
أستاذ باحث ومختص في العلاج السلوكي المعرفي والعلاج الأسري النسقي.
شارك في عدة ندوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق