fbpx
اذاعة وتلفزيون

وداعا شاعر الأم والأرض

وفاة الفنان الأمازيغي «إيدير» بفرنسا بعد صراع مرير مع المرض

الموت مستمر في خطف جواهر منطقة القبائل، فبعد سليمان عازم ومعطوب الوناس وشريف خدام، توفي مساء أول أمس (السبت)، بمستشفى بباريس المغني والشاعر الأمازيغي “إيدير” واسمه الحقيقي حميد شريت، عن عمر ناهز 71 سنة، بعد صراع مرير مع مرض مزمن.
وولد الراحل بقرية أيت لحسين في منطقة القبائل، سنة 1949، وأظهر اهتماما بالفن منذ الصغر، كما تعلم العزف على القيثارة في سن مبكرة، وتأثر بالتراث الحكواتي الشفهي بمحيط نشأته، إذ يقول في حديث صحفي “لقد كنت محظوظا بوجود جدتي وأمي الشاعرتين. كان الناس يأتون من بعيد للإنصات إليهما”.
ظل “إيدير” يحمل بين ضلوعه، هموم الإنسان الأمازيغي في منطقة شمال إفريقيا، واستطاع أن يشيع ثقافة الأمازيغ عبر العالم، إذ لقب بسفير الأغنية والثقافة الأمازيغيتين، فرغم أن كثيرين دافعوا عن هوية الإنسان الأمازيغي وقضاياه بالسياسة، إلا أن “إيدير” اختار طريق الكلمة والنغمة والسلام، وجعل من نفسه مرآة تعكس هموم الأمازيغي، التواق إلى التحرر، والإنسان المتحرر العارف لمعنى الأرض والهوية واللغة.
“إيدير” أيضا فنان وشاعر الأم والمرأة، لأن الأنثى أخذت حيزا مهما من إبداعه، وكانت في صلب أعماله الفنية، لأنه ظل وفيا لذكريات الطفولة في بيوت والدته وجدته، اللتين تعلم في حضنهما قيمة الكلمة والتراث الشفهي وفن الحكاية، وترجم هذا الفنان هذه الذكريات في أغان ترفع من مكانة وأهمية المرأة، وتساندها في محنتها، سواء تعلق الأمر بتلك التي تحمل حزمة الحطب في الجبال، أو المرأة في المجتمعات المعاصرة.
ولم يأت تعلق “إيدير” بالأرض، وحبه لقريته وأرياف تيزي وزو بـ “القبايل”، من فراغ، لأنه درس علم الجيولوجيا، غير أنه قرر خدمة رسالته بالكلمة والنغمة عوض الوسيلة الأكاديمية.
وبدأ “إيدير” مسيرته الاحترافية، عن طريق الصدفة، حينما التحق بالإذاعة الجزائرية لتعويض فنان مريض، لأداء أغنية للأطفال، سنة 1973، وهو ما أثار الانتباه إلى جمال صوته، وأعجبت والدته بصوته رغم أنها لم تكن تعرف أنه من كان يغني بالإذاعة.
والتحق الراحل في بداية السبعينات بالخدمة العسكرية، وبعد عودته سجل أغنية “أفافا إينوفا” في أستوديو القناة الأمازيغية، وظلت هذه الرائعة تعيش بيننا إلى اليوم، وتعتبر تراثا غنائيا مشتركا بين سكان شمال إفريقيا. وتحكي هذه الأغنية قصة فتاة اسمها “غريبة” ووالدها “إينوفا”، والتي كانت في الغابة تجمع الثمار، لإطعام أبيها العجوز وإخوتها الصغار، غير أنه حل الليل، وعادت إلى البيت، واحتار الشيخ “إينوفا” هل يفتح باب البيت أم لا خوفا من وحش الغابة، وليتأكد الشيخ من أن من على الباب هو غريبة فعلا، يأمرها برج أساورها اليدوية.
واشتغل “إيدير” على ألبومات عديدة، وعمل إلى جانب فنانين عالميين، وصعد المنصات الكبيرة، إذ في 1993 صعد “إيدير” منصة “أولمبيا” الشهيرة في فرنسا لمدة ثلاثة أيام، وفي ما بعد صنف اللون الغنائي لإيدير في خانة “الموسيقى العالمية”، وقال عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو “إيدير ليس مغنيا مثل الآخرين، إنه فرد من كل عائلة”.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى