fbpx
حوادث

ناوي: “كورونا” وعقود الكراء 2/2

ليس كل وباء يشكل بالضرورة حالة قاهرة تعطل الالتزامات التعاقدية (2/2)

بقلم: ذ. سعيد ناوي*

هل يمكن اعتبار فيروس كورونا حالة قاهرة لتعليق أو الإعفاء من أداء واجبات الكراء؟ تتحقق حالة القوة القاهرة إذا تحققت مظاهرها، أو بفعل السلطة الحكومية أو فعل الأمير، وهكذا فالإجراءات المتخذة من قبل الحكومة بسبب الوباء بإغلاق الشركات والمحلات غير الضرورية يشكل فعل الأمير، وبالتالي يمكن تكييفه بأنه قوة قاهرة.
لكن ليست كل حالة وباء تشكل بالضرورة حالة قاهرة تعطل الالتزامات التعاقدية، لذلك ينبغي تحديد خطورة الوباء حتى يتم تصنيفه وباء خطيرا يشكل قوة قاهرة أمام تنفيذ الالتزامات.
فقدت اعتبرت منظمة الصحة العالمية، أن فيروس كورونا يعتبر جائحة، لأنه انتشر بشكل سريع في كل مناطق العالم، وأن معدل الوفيات في تزايد ولا يوجد له علاج آني. لذلك يمكن اعتبار فيروس كورونا قوة قاهرة معطلة للوفاء بالالتزامات التعاقدية.
وانطلاقا من أن الوباء يشكل قوة قاهرة، هل يمنح الحق للتاجر في تعليق أداء واجبات كراء المحل المكرى له، أو الامتناع عن أدائها مطلقا لأن محله تم إغلاقه بسبب فعل الأمير؟ (قرار إغلاق كل المحلات غير الضرورية من قبل الحكومة يجعل فتحها وممارسة النشاط التجاري مخالفا لقانون الطوارئ الصحية(، وبالتالي يعرض صاحب المحل لأداء غرامة قد تزيد من ثقل ديونه.
لكن، هل يمكن فقط الركون إلى القوة القاهرة لتعطيل أداء واجبات الكراء أو المطالبة بالإعفاء منها، أم أنه ينبغي دراسة الشروط التي يجب تحققها من أجل إعفاء أو تعليق أداء الواجبات الكرائية طيلة فترة الإغلاق؟
ففي قرار حديث لمحكمة النقض الفرنسية اعتبرت أنه “لا يمكن إعفاء المدين من التزام تعاقدي بأداء مبلغ مالي عن طريق الدفع بحالة القوة القاهرة”. ولا يمكن إعفاء المدين إلا في ما يتعلق بأداء تعويض معين استنادا لمقتضيات المادة 268 من قانون الالتزامات والعقود، التي تنص على أن “لا محل لأي تعويض، إذا أثبت المدين أن عدم الوفاء بالالتزام أو التأخير فيه ناشئ عن سبب لا يمكن أن يعزى إليه، كالقوة القاهرة، أو الحادث الفجائي أو مَطْل الدائن”.
لذلك، فحسب الاجتهاد القضائي الفرنسي، فإنه لا يمكن إعفاء المكتري من أداء واجبات الكراء عن المحل المكرى له. لكن لا يمنع، في ظل هذه الظروف الاستثنائية تعليق أدائها إلى حين زوال المانع العرضي الذي يتعلق بالإغلاق الإداري للمحلات غير الضرورية في ظل الأزمة الحالية.
وقد أصدرت الحكومة الثلاثاء 17 مارس الماضي، مرسوما يقضي بإحداث صندوق خاص بتدبير جائحة كورونا “كوفيد-19”. والهدف من إحداث الصندوق هو مواجهة الآثار الخطيرة على الشركات الصغرى والتجار خاصة بسبب انتشار فيروس كرونا “كوفيد19”.
فهل يمكن، على غرار المرسوم الذي أصدره الملك الراحل الحسن الثاني في 1982 والقاضي بإنقاص ثلث كراء المحلات السكنية بالنسبة للأشخاص الذين لا يتعدى دخلهم الشهري 1500 درهم، ويمنح الحق للمكرين مطالبة الخزينة تعويضهم عن الثلث المسقط، إعفاء كذلك المكترين المتضررين وتعويض المكرين من طرف الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورون “كوفيد 19″؟
وهكذا، أصدر المجلس الصيني لإنعاش الاقتصاد بتاريخ 2 فبراير 2020 أول شهادة إقرار بأن الوباء يعتبر قوة قاهرة لفائدة شركة صناعية une entreprise manufacturière بمنطقة Huzhou تضررت من انتشار هذا الوباء.
هذه الشهادة/الإشهاد، تعفي الشركة من بعض الالتزامات التعاقدية التي لا تستطيع الوفاء بها نتيجة انتشار الوباء، وتؤمن الشهادة/الإشهاد الحقوق القانونية للشركة. فبفضل هذه الشهادة، يمكن للشركات تبرير التأخير في تسليم البضائع، وقد يتم إسقاط مسؤولياتها الناشئة عن العقد كليًا أو جزئيًا. قال يان يون نائب مدير مركز المصادقة بمجلس الصين لإنعاش التجارة، إن هذه الشهادة تعد أساسية للشركات كمكنة قانونية.
فلا جدال في أن فيروس كورونا يعتبر سببا أجنبيا خارجا عن إرادة أطراف العقد، ومفاجئا للمتعاقدين يصعب توقعه من طرفهم، فوباء فيروس كورونا يشبه في أثره الحروب والكوارث الطبيعية التي تمنع من تنفيذ العقد بالصورة المتفق عليها، أو تجعل تنفيذ العقد مستحيلا، لذلك قد توجد عقود قد تتأثر بفيروس كورونا كظرف طارئ يؤدي إلى تعديل العقد، وعقود أخرى قد تتأثر بفيروس كورونا كقوة قاهرة وتؤدي إلى تعليق تنفيذه أو إعفاء المتعاقد من التزاماته.
أعتقد أنه يمكن تعليق أداء واجبات الكراء للمحلات التجارية، التي تم إغلاقها في هذه الفترة دون تعويض المكرين لاحقا عن هذا التعليق. ويمكن للتجار المتضررين من الإغلاق الإداري المطالبة بحلول الصندوق المذكور مكانهم في أداء واجبات الكراء، ولم لا المطالبة بتعويضهم ولو جزئيا عن فقدان الأرباح المتوقعة لضمان استمرار النشاط التجاري مستقبلا.
ولا يمكن اعتبار ذلك تماطلا موجبا للإفراغ في حالة إنذار المكري للمكتري بأداء واجبات الكراء التي لم يتم أداؤها. وإذا كانت هذه هي القاعدة فإن للقاضي حرية تقييم الوقائع المرتبطة بالملف والحكم على ضوئها، وعلى ضوء حسن نية الطرف المدين.
فالظرف الطارئ لا يؤدي لانقضاء الالتزام، وإنما يرد القاضي الالتزام إلى الحد المعقول حتى يستطيع المدين تنفيذه دون إرهاق، أو تعليقه أو توقيفه إلى حين زوال الظرف الطارئ، كالالتزامات التي يكون فيها التنفيذ مستمرا ويعتبر عنصر الزمن فيها عنصراً جوهرياً، سواء كانت من العقود ذات التنفيذ المستمر كعقد الكراء، أو من العقود ذات التنفيذ الفوري، (كعقد الشغل (عقدالشغل = تنفيذ مستمر.
فوجود حوادث أو ظروف طبيعية أو اقتصادية، أو أي عمل من أعمال السلطة أو من الغير، لم تكن متوقعة ولا يمكن مواجهة آثارها الآنية والمستقبلية، ويكون من شأنها أن تنزل بالمدين خسائر فادحة، يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا وفق الشروط المتعاقد عليها، ويعدم مسؤولية المتعاقد المدين.
لذا، إذا واجه التاجر مثل هذه الحالة من الظروف القاهرة ويرغب في تعليق التزاماته تجاه المكري، نظرا لتوقف نشاطه التجاري المفاجئ والخارج عن إرادته، عليه إخطار المكري لإثبات حسن نيته ودعوته إلى تقديم طلب إلى الصندوق الوطني، من أجل تدبير جائحة كورونا، لاستخلاص الواجبات الكرائية إذا أثبت أنها المصدر الوحيد لعيشه.
* محام مقبول لدى محكمة النقض
دكتور في الحقوق وأستاذ زائر بجامعة الحسن الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى