fbpx
حوار

بنعتيق: الحكومة مطالبة بقانون مالي تعديلي

القيادي الاتحادي قال إن المغرب أمامه فرصة تاريخية لتحقيق إقلاع اقتصادي رغم تداعيات الجائحة

أجرى الحوار: عبد الله الكوزي

قال عبد الكريم بنعتيق، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي وضع مسافة بينه وبين العمل الحزبي منذ أن غادر أسوار حكومة سعد الدين العثماني في ظروف غامضة، ومازالت أسرارها مبهمة إلى حدود اليوم، إن التدابير الاستبقاية التي اتخذتها الدولة، لمحاصرة تداعيات كورونا قوية جدا. مقابل ذلك، قال بنعتيق في حوار مع “الصباح”، إن الخروج من أزمة كوفيد 19 سيكون مكلفا اقتصاديا، انطلاقا من دراسات أولية، أكدت أن حالة الطوارئ الصحية ـ ستخفض ب3.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام في المرحلة الثانية من 2020ـ أي 10.9 ملايير درهم حسب المختصين.
ويتحدث بنعتيق في حواره التالي عن “العولمة الذكية”، وهو مصطلح من ابتكاره، وعن القطاعات المتضررة، والفرصة الجديدة لتحقيق إقلاع اقتصادي، تزامنا مع إعداد البرنامج التنموي الجديد.

> بعد مرور المرحلة الأولى من الحجر الصحي ما هي قراءتكم لتداعيات هذه الأزمة الصحية؟
> كل التدابير الاستباقية التي اتخذتها الدولة المغربية لمحاصرة تداعيات أزمة كورونا، كانت قوية بدءا من إحداث صندوق تضامني ضخت فيه 10 ملايير درهم من الميزانية العامة، إلى مساهمات الخواص، شركات أو أشخاص ثم مؤسسات القطاع العام، هذا بالموازاة مع حملة تضامنية واسعة شملت عامة المواطنين، بالإضافة إلى تشكيل لجنة اليقظة الاقتصادية التي تضم في عضويتها قطاعات وزارية وازنة، نظير المالية والداخلية و الخارجية والفلاحة والصحة والصناعة والسياحة والتشغيل، بالإضافة إلى والي بنك المغرب ورئيس المجموعة المهنية للبنوك وجامعة الغرف الصناعية و الخدماتية ثم جامعة الصناعة التقليدية، كل هذه المبادرات أكدت وبشكل ملموس دور الدولة الفعال سياسيا واقتصاديا، دولة ضامنة للسير الطبيعي للمرفق العمومي خلال الفترات الاستثنائية، وخادمة لمصالح الأفراد والجماعات ومعبئة لكل الإمكانيات و الطاقات.

> ولكن في نظركم، هل سيكون الخروج من الجائحة مكلفا؟
> بكل واقعية و تجرد و بعيدا عن أي لغة دوغمائية، كل هذه المبادرات كانت قوية و سريعة، لكن هذا لن يمنعنا من التأكيد على أن الخروج من أزمة كوفيد 19 سيكون مكلفا اقتصاديا، فالاستمرار في البقاء في المنازل أثر مباشرة على الناتج الداخلي الخام، ذلك أن بعض الدراسات الأولية كتلك الصادرة عن صندوق الإيداع و التدبير أكدت أن حالة الطوارئ الصحية ستخفض ب 3.8% من الناتج الداخلي الخام في المرحلة الثانية من 2020 أي 10.9 ملايير درهم حسب المختصين .

> ما هي في نظركم القطاعات الأساسية المتضررة ؟
> قطاعات متعددة صناعية وخدماتية ستكون على رأس المتضررين مثل السياحة، ذلك أن 8500 مقاولة سياحية مهددة بالتعرض إلى صعوبات مالية، فالمختصون يرون أن تأثير كورونا على هذا القطاع قد يتعدى 19 مليار درهم، ليصل إلى 34 مليار درهم خلال 2020. إذا تعمقنا في تحليل هذه الأرقام سنجد أن الخسارة المتوقعة بالنسبة إلى الفنادق قد تصل إلى 14 مليار درهم متمثلة في ضياع 98% من المداخيل الناتجة عن نشاط سياحي يقدره مهنيو القطاع ب 6 ملايين سائح أي 11.6 مليون ليلة مبيت و 500 ألف منصب شغل تهم الفندقة والمطاعم وشركات النقل بكافة أنواعها وشركات تأجير السيارات، تضاف إلى قطاع السياحة، قطاعات أخرى عرفت انطلاقة قوية في السنوات الأخيرة مثل صناعة السيارات، فشركتا ” رونو” و ” بوجو” قاطرتا هذا القطاع توقفتا عن العمل، فبالنسبة إلى شركة “رونو” بطنجة و البيضاء عرفت توقف أكثر من 11 ألف مستخدم عن العمل، و”بوجو” التي انطلقت أشغالها التصنيعية بالمنطقة الحرة بالقنيطرة، عرفت هي الأخرى توقف 1600 مستخدم عن العمل و حوالي 66 شركة تزودها بالمنتوجات الضرورية لصناعة السيارات، مادام أن خطة المغرب هي الوصول إلى إنتاج كل الأجزاء المرتبطة بهذه الصناعة، و عدم الاقتصار على العمليات التركيبية.

> الأكيد أن الأمر ستكون له تداعيات على البطالة..
> توقف العمل حسب متتبعي القطاع، أثر على 180 ألف مستخدم بشكل مباشر و غير مباشر، باعتبار أن 250 شركة تشتغل بتنسيق و ارتباط مع شركتي رونو و بوجو ، للتذكير فقطاع السيارات وحده يشكل 27% من الصادرات المغربية سنة 2019 برقم معاملات يصل إلى 7 ملايير أورو .
قطاع النقل الجوي يتطلب تدخلا عاجلا من الدولة بعد نهاية هذه الأزمة الصحية، فحسب الأرقام المتداولة شركة الخطوط الملكية ستفقد جراء أزمة كورونا حوالي 4.9 ملايين مسافر برقم معاملات قد يصل إلى 728 مليون دولار، مع التذكير أن قطاع النقل الجوي هو النواة الصلبة للتطور السياحي والخدماتي الذي عرفه المغرب في العشر سنوات الأخيرة، بالإضافة إلى أن شركة الخطوط الملكية كانت تعيش مرحلة انتقال نحو استثمارات كبيرة تسمح لها بالتموقع جهويا و قاريا، باعتبارها إحدى الشركات الرئيسية للنقل الجوي.
يجب ألا ننسى قطاع النسيج الذي يشغل 160 ألف مستخدم و 1200 مقاولة مهيكلة، فحسب المختصين، فإن النسيج و قطاع السيارات رأس الصادرات المغربية خلال 2019 ، حيث أن مداخيل القطاعين وصلت إلى 114 مليار درهم، فمشروع التسريع الصناعي المقدم من قبل وزير الصناعة في السنوات الأخيرة، أوضح أن قطاع السيارات وحده ساهم في توفير 142 ألف منصب شغل قار و قطاع النسيج 100 ألف منصب، إذن القطاعان هما معادلة أساسية في السياسة التصنيعية المغربية.
و يجب التذكير هنا أن قطاع النسيج المهدد بأزمة كورونا يعتمد أساسا وب 60 في المائة على التصدير الموجه للأسواق الأوربية خاصة الفرنسية و الإسبانية، يجب أن لا ننسى دور الاستثمارات الخارجية و تحويلات مغاربة العالم في جلب العملة الصعبة. أزمة كورونا ستؤثر لا محالة على تحويلات المغاربة القاطنين بالخارج والتـــــي تتراوح عادة ما بين 60 مليار درهم إلى 62 مليارا سنويا.

التوجيهات الملكية الاستباقية كانت حاسمة

يجب الاعتراف بشكل موضوعي، أن التوجيهات الملكية الاستباقية لعبت دورا رئيسيا لتحريك آلة الدولة بكافة أذرعها لمواجهة هذه الوضعية الاستثنائية وطنيا وعالميا، فلجنة اليقظة الاقتصادية تقوم بمجهود كبير لإيجاد حلول للمشاكل العالقة مع وضع احتمالات للتحديات المستقبلية، من هذا المنطلق فالحكومة مطالبة بتقديم قانون مالي تعديلي يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي مست بنية مالية 2020، و ما سيترتب عنها من تدابير و إجراءات ضروري أن تخضع للمساءلة التشريعية و من خلالها إشراك الرأي العام في متابعة فحوى المقترحات التي سيقدمها الجهاز التنفيذي.
في انتظار ذلك، يجب التأكيد على مجموعة من البديهيات، أولها مراجعة نسبة النمو الواردة في القانون المالي لسنة 2020، فالبنك الدولي يتوقع انخفاضا ب 1.7في المائة، وصندوق النقد الدولي يتوقع انخفاضا ب3.7 في المائة و المركز المغربي للظرفية ب 3.2 في المائة، زد على هذا الوضعية الصعبة للشركات المغربية المصدرة، فحسب المندوبية السامية للتخطيط 67 في المائة من هذه الشركات تعاني بسبب أزمة كوفيد 19، ذلك أن شركة واحدة على 9 شركات أوقفت نشاطها الإنتاجي نهائيا و 5 شركات على 9 أوقفت نشاطها مؤقتا، و الثلث لا زال مستمرا مع انخفاض في الإنتاج، على المستوى الفلاحي، فالناتج الداخلي الخام للفلاحة أظهر بعض الصمود، إذ من المتوقع أن الانخفاض لن يتعدى 5 في المائة خارج الصناعات الغذائية، حسب وزير الفلاحة، رغم الجفاف الذي دام مدة سنتين، الذي أثر على إنتاج الحبوب الذي لن يصل إلى أرقامه القياسية المعهودة (80 مليون قنطار)، و لا إلى إنتاج السنة الماضية 52 مليون قنطار، بل سيبقى محصورا في 32 مليون قنطار ، مع التأكيد على أن منتوجات فلاحية أخرى خارج الحبوب، حافظت على معدل إنتاجها السنوي، و أخرى ارتفعت بشكل ملحوظ، ما يؤكد الدور الهام لمخطط المغرب الأخضر الذي تحول إلى قيمة مضافة و دعامة قوية للتوجهات الإستراتيجية للمغرب على المستوى الفلاحي، في أفق تحقيق أمن غذائي مع تموقع في الأسواق العالمية غير التقليدية.

تضرر المغرب مرتبط بحجم خسائر أوربا

يجب التأكيد أن الاختيارات الاقتصادية للمغرب تجعله بلدا مرتبطا و منفتحا على الاقتصاديات العالمية، هذه الأخيرة تعرضت لضربة صعبة و مفاجئة بسبب جائحة كورونا، لذلك جزء من الحلول المغربية اقتصاديا على المدى القريب و المتوسط، له علاقة وثيقة بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود و الخروج بأقل الأضرار والخسائر من هذه الأزمة، لتوضيح ذلك تكفي الإشارة إلى أن 70 في المائة من التبادل التجاري للمغرب، هو مع الاتحاد الأوربي، أضف إلى هذا، أن صناع القرار الاقتصادي في مجموعة من الدول، سيعيدون النظر في مسألة التبعية الإنتاجية الناتجة عن وجود صناعات عديدة استوطنت مقاولاتها في دول بعينها دون أخرى، مما يجعل هذه الدول رهينة لمناطق دون أخرى ( مثلا ارتباط أوربا في مجال صناعة الأدوية بالشركات الصينية و الهندية)، فموجة إعادة توطين هذه المقاولات ستطرح للنقاش بحدة و بضغط من الرأي العام لمجموعة من الدول.

التموقع في العولمة الذكية

المغرب خارج أزمة تداعيات كورونا يعيش نقاشا حول ضرورة نموذج تنموي قادر على جعل بلدنا يحتل المكانة التي يستحقها ضمن الدول الصاعدة، هذه الأزمة الصحية هي مناسبة للاستفادة من التحولات الجيو اقتصادية المقبلة، فبالنسبة إلى تزويد الأسواق الأوربية بمنتوجات مختلفة، المغرب قادر على أن يتحول إلى بديل فعال في هذا المجال، فبالإضافة إلى الشراكة الإستراتيجية التي تجمعه مع الاتحاد الأوربي المتمثلة في اتفاقية التبادل الحر و في تمتعه بصفة الوضع المتقدم منذ 2008، فإنه يتوفر على بنيات تحتية مهمة، قادر على تكوين يد عاملة تحظى بالمهارة المهنية المطلوبة، منخرط فعال في تطوير النسيج الاقتصادي الإفريقي عن طريق حضور وازن في قطاعات إنتاجية و خدماتية، مؤمن بأن إفريقيا لها مستقبل اقتصادي مشرق بسوق سيتجاوز مليار نسمة في أفق 2036. و بالملموس فالنقل البحري الذي هو دعامة لأي تطور تجاري إذا كان يتطلب أكثر من 35 يوما مابين الموانئ الصينية و الموانئ الأوربية، فإنه لن يتعدى 4 أيام بين هذه الأخيرة و ميناء طنجة المتوسط، إذن نحن باعتبارنا مغاربة في حاجة و في هذه اللحظة بالذات إلى ذكاء جماعي خلاق يسمح لنا بالتموقع في عولمة ذكية قادمة لا محالة بعد كورونا.

في سطور

< من مواليد 1959
< حاصل على دكتوراه الدولة في القانون من جامعة ليون بفرنسا.
< خريج معهد الدراسات الدبلوماسية والإستراتيجية بباريس.
< أدار مركزا للوساطة والتحكيم متخصصا في القضايا المالية ومكتبا للاستشارة والاستثمارات بمدينة ليون بفرنسا.
< شغل مناصب كاتب للدولة مكلف بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، وكاتب للدولة في التجارة الخارجية، ثم وزير منتدب لدى وزير الخارجية المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق