fbpx
حوادث

دراسة في القانون: التعارض في مدونة السير (الحلقة الأخيرة)

 

الاختلاف بين مقتضيات الفصل 433 من القانون الجنائي والمادة 167 من مدونة السير

 

إن من خصائص القاعدة القانونية هي أنها قاعدة ملزمة، ولتحديد مدى القوة الإلزامية لها من حيث الزمن، فإن البحث ينصب على التاريخ الذي يدخل فيه القانون حيز التطبيق، والذي يتم،  حسب ما هو متعارف عليه من الناحية الفقهية، بالمصادقة عليه ثم نشره،
 وهما عمليتان منفصلتان عن بعضهما ولا تختلطان في ما بينهما.

 

يتمسك  بعض الباحثين بالرأي الذي يعطي للنيابة العامة حق الخيار في إثارة المتابعة بأي من النصين المذكورين أعلاه، حتى ولو وقعت الحادثة بعد تاريخ دخول مدونة السير على الطرق حيز التطبيق، معللين رأيهم بأنه لو كان المشرع يريد عدم اللجوء لنص الفصل 433 من القانون الجنائي، لكان ألغى مقتضياته صراحة، كما فعل بالنسبة إلى عدة نصوص قانونية في المادة 316 من المدونة. إلا أن الرد على مثل هذا التأويل ينطلق من المبادئ الفقهية التي تنظم طريقة إلغاء النصوص القانونية، وكذا من طبيعة المقتضيات التي ينظمها النصان المذكوران.
فحسب الآراء الفقهية فإن إلغاء أي نص قانوني يتم بطريقتين :
 – عن طريق الإلغاء الصريح، والذي يلغي القاعدة القانونية التي استوفت شروط صحة وجودها، وكانت أركانها الجوهرية ثابتة. والغاية من هذا الإلغاء هي وضع حد للعمل بالقاعدة القانونية المذكورة، إما لكون الحاجة إليها أصبحت منعدمة، أو لاستبدالها بقاعدة جديدة تختلف عنها شكلا أو مضمونا، أو هما معا.
– بواسطة الإلغاء الضمني، كليا كان أم جزئيا، إما في حالة وجود تعارض بين تنصيصات القاعدة القديمة مع تلك التي جاءت بها القاعدة الجديدة. والمبادئ العامة في مثل هذه الحالة تفرض الأخذ بالنص الجديد وترك النص القديم  للتعارض بين مضمونيهما. وإما لأن المشرع قد تدخل بتقنين نص جديد ينظم الموضوع نفسه الذي سبق أن نظمته القواعد القديمة، وفي هذه الحالة فإن القانون القديم لا يسري على الحالات التي تخضع لتطبيق القانون الجديد. وهما الحالتان اللتان أشار إليهما الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود، المذكور أعلاه، عندما قدم المشرع تعريفا للإلغاء الضمني كالتالي : »إذا .. كان القانون الجديد متعارضا مع قانون سابق أو منظما لكل الموضوع الذي ينظمه«.
كما أن الإلغاء الضمني قد يكون جزئيا، وذلك عندما يتدخل المشرع بتقنين نص جديد ينظم بمقتضاه بعض الحالات من تلك التي كانت منظمة بنص سابق، والأثر الذي يولده مثل هذا التدخل هو تحييد تطبيق النص القديم على الحالات التي جاء التقنين الجديد لتنظيمها، والتي تسري عليها أحكام هذا التنظيم الجديد، بينما يبقى النص نفسه ساريا على ما دونها من باقي الحالات.
ومن هذا المنطلق، فإن الاختلاف بين طبيعة المقتضيات التي ينظمها الفصل 433 من القانون الجنائي مع تلك المذكورة في المادة 167 من مدونة السير على الطرق ثابت من قراءة هاذين النصين، على اعتبار أن الفصل 433 يطبق على كل »من تسبب .. في جرح غير عمدي أو إصابة أو مرض«، بينما تعاقب المادتها 167 »كل سائق ثبتت مسؤوليته عن حادثة سير وتسبب للغير، نتيجة هذه الحادثة، عن غير عمد، .. في جروح أو إصابة أو مرض«.
وبصيغة أكثر وضوحا، فإنه منذ تاريخ دخول مدونة السير على الطرق حيز التطبيق في 1 أكتوبر 2010، فإن السائق الذي يرتكب حادثة سير ويتسبب للغير في «عجز مؤقت عن العمل لمدة تفوق واحدا وعشرين يوما، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من ألف ومائتين إلى ستة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط»، يطبق عليه هذا النص حصريا، بينما تبقى مقتضيات الفصل 433 من القانون الجنائي سارية على من يتسبب للغير في جرح غير عمدي أو إصابة أو مرض، في غير الأحوال التي تنظمها مدونة السير، ويعاقب مرتكبها آنذاك «بالحبس من شهر واحد إلى سنتين، وغرامة من مائة وعشرين إلى خمسمائة درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط»، كمن يتسبب في ضرر للغير عن طريق الخطأ، عند سقوط مزهرية من نافذة بيته مثلا.
وعليه، وعلى اعتبار أن المادة 167 وضعت شرطا أساسيا لمعاقبة السائق الذي تثبت مسؤوليته عن حادثة سير وتسبب للغير، نتيجة هذه الحادثة، عن غير عمد، بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته لأحد التزامات السلامة أو الحيطة المقررة في هذا القانون أو في النصوص الصادرة لتطبيقه في جروح أو إصابة أو مرض، ترتب عليها عجز مؤقت عن العمل لمدة تفوق واحدا وعشرين يوما، فإن المتابعات الزجرية التي قد تثار في الملفات التي تكون فيها الشهادات الطبية تحدد مدد العجز المؤقت في أقل من 21 يوما، تكون غير مقبولة لتخلف الشرط الأساسي لتوفر الجريمة، أي شرط النتيجة المضرة الخاضع مرتكبها للعقاب. وذلك تطبيقا لأحد المبادئ التي تحكم القواعد الزجرية بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهو المبدأ الذي كرسه المشرع المغربي في الفصل 3 من القانون الجنائي، والذي جاء فيه ما يلي :
«لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون».

بقلم : عمر الخيراوي, نقيب سابق لهيأة المحامين بسطات

نائب رئيس جمعية هيآت المحامين بالمغرب سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى