fbpx
مقالات الرأيملف الصباح

سعود: لا ديمقراطية دون دولة قوية

الخبير الإستراتيجي قال في حوار مع “الصباح” إن من لا يضحي بحريته في سبيل صحته لا يستحق أيا منهما

اعتبر حسن سعود، الخبير الإستراتيجي والأمني، أن حالة الطوارئ الصحية التي فرضها المغرب إجراء استثنائي ومؤقت للحد من وباء سريع الانتشار، وأن تمديدها رهين بمدى انضباط المواطنين والتزامهم. وقال سعود، في حوار أجرته معه «الصباح»، إن البلاد في حالة استتفار تقتضي تنسيق العمل بين جميع المؤسسات الأمنية للحفاظ على الأمن والتصدي لكل تمرد أو عصيان، مضيفا أن انتشار وحدات الجيش يعني الردع الملائم لفترة حرجة تحتاج، بقوة القانون، إلى إجبار المتهورين على الخضوع إلى أوامر السلطات. وأكد الخبير والمتخصص في تدبير الأزمات، في الحوار نفسه، أن لا ديمقراطية بدون دولة قوية تحافظ على المصالح العليا للبلاد، خاصة في مرحلة الأزمات، مضيفا «من لا يضحي بحريته في سبيل صحته، لا يستحق أيا منهما». في ما يلي تفاصيل الحوار:

العديد من المواطنين لم يفهموا الحجر والعزل في المنازل الذي فرض عليهم. هل يمكنكم أن تتحدثوا لنا عن حالة الطوارئ الصحية التي فرضها المغرب من أجل السيطرة على انتشار وباء “كورونا”؟
لا بد أولا من شرح مفهوم الأزمة، والذي هو ببساطة شديدة، كل حدث لم نتمكن من استباقه كيفما كانت نوعيته. والقاسم المشترك للأزمات هو خلق الاضطراب والاختلال في المنظومات وفي المجتمعات. في هذه الحالة، ندخل في مرحلة تدبير الأزمة، أي القضاء عليها أو على الأقل تطويقها وتقليل حدتها لاستعادة التوازن الهيكلي والسير العادي لكل مرافق المجتمع. والمغرب، ككل الدول في العالم، أصيب بأزمة صحية “مستوردة”، لذلك بادرت الدولة، في أعلى هرمها، بما نسميه الاستباق داخل الأزمة، عبر تدابير احترازية، وقائية بالأساس، حفاظا على الصحة العمومية والنظام العام. وحالة الطوارئ الصحية تدخل في هذا النطاق. وهي إجراء استثنائي ومؤقت يهدف إلى تحسيس المواطنين بقواعد النظافة وكذلك ما يسمى الحجر الصحي الضروري للحد من هذا الوباء سريع الانتشار.
ورغم الحجر الصحي، حافظت الدولة على استمرارية العجلة الاقتصادية وخدمات المرافق العمومية الضرورية، وكذلك على إمداد المواطنين بالتموين العام، ولكنها قلصت بالمقابل، من حرية التنقل والجولان لتفادي انتشار العدوى وأصدرت القوانين المؤطرة المناسبة لهذه الحالة الاستثنائية، مع كل ما يترتب عن عدم تطبيقها.

عدد كبير من المواطنين دعا إلى تدخل العسكر والجيش من أجل ردع الرافضين للالتزام بالحجر الصحي في المنازل، خاصة بعد مسيرات التهليل والتكبير التي خرجت في العديد من شوارع المدن المغربية. كيف تنظرون إلى هذه الدعوة؟ 
أريد رفع التباس في ما يخص المقاربة الأمنية في المغرب، فالمؤسسة العسكرية جزء لا يتجزأ من السلسلة الأمنية الشاملة، ويتم اللجوء إلى خدماتها بأمر من جلالة الملك، القائد الأعلى، كل ما دعت الظروف. ونحن في حالة استنفار تقتضي العمل المنسق لكل المؤسسات الأمنية للحفاظ على الأمن العام وراحة واطمئنان المواطنين، والتصدي لكل تمرد أو عصيان. فانتشار وحدات الجيش يعني الردع الملائم لفترة حرجة تحتاج، ولو بقوة القانون، إلى إجبار المتهورين على الخضوع إلى أوامر السلطات الترابية المختصة.
أما في ما يخص التكبير والتهليل، فيمكن لأي كان أن يقوم به من منزله، دون أن يؤذي أحدا. وفي هذا الصدد أحيل على ما جاء في كتاب الله عز وجل في سورة البقرة، في قوله تعالى «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، أو ما جاء في حديث صحيح “إذا سمعتم به (أي الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه». إن هؤلاء المتهورين خرقوا تعاليم الدين وخرقوا القانون، الذي يعتبر أساس التماسك الاجتماعي وحاولوا الإساءة إلى سمعة بلادهم. وأريد هنا أن أشيد باستنكار أغلب المواطنين لهذا التصرف الخالي من روح المواطنة، وبالتصدي الذي قامت به السلطات القضائية والأمنية لمحاربة هذا التصرف المتهور لتطبيق القانون الذي لا يحمي المغفلين، لأن لا ديمقراطية دون دولة قوية تحافظ على المصالح العليا للبلاد، خاصة في مرحلة الأزمات.

لماذا يشكل الجيش، في نظركم، عنوان اطمئنان وأمان بالنسبة إلى المواطن؟ 
المؤسسة العسكرية جزء من النسيج الاجتماعي المغربي، فمنذ إنشاء القوات المسلحة الملكية وهي تقوم بمهام دفاعية وأمنية وإغاثية وإنسانية داخل المغرب وخارجه، ما جعلها تراكم الخبرة والتجربة في التنظيم الهيكلي والعملياتي واللوجيستي الذي يجعل منها قيمة مضافة في الأوقات الراهنة. هذا ما جعلها تحظى بسمعة عالية وطنيا وعالميا. للتذكير، فالمؤسسة العسكرية داخل التراب الوطني، تقوم بمهام طبية في أماكن معزولة، وإغاثية أثناء الكوارث الطبيعية والإنسانية في عمليات حفظ السلام الأممية، إضافة إلى الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد منذ أكثر من أربعة عقود. كل هاته العناصر تجعل المواطن يكن لها الاحترام والتقدير المتبادلين.

أشادت العديد من الدول بالطريقة التي دبر بها المغرب أزمة كورونا، رغم إمكانياته الضعيفة. كيف تنظرون إلى الأمر، باعتباركم خبيرا إستراتيجيا في تدبير الأزمات؟
بالفعل، يلاحظ أن أغلب الدول أشادت بالأداء المتميز لبلادنا، التي استبقت التطور السلبي للأزمة الصحية بتطويقها قبل بداية الوباء، وبقوة التنظيم وانخراط كل المؤسسات بدافع ملكي صارم، وفي مقاربة شمولية ومنسقة وشاملة لكل الفعاليات المعنية، وهو ما يسميه الخبراء “تكامل الكفاءات وتآزر الإمكانيات”. ولاحظ الجميع أن هذا التنظيم قلل من وتيرة الانتشار. فمقارنة مع العديد من الدول المجاورة والمتقدمة منها، ثبتت نجاعة الإستراتيجية الاستباقية المغربية.

في رأيكم، هل من الممكن تمديد حالة الطوارئ التي أعلنتها الدولة (إلى غاية 20 أبريل المقبل)؟ وفي أي ظروف؟ 
حالة الطوارئ الصحية ما زالت سارية المفعول من 20 مارس إلى 20 أبريل المقبل، وهو قرار اتخذ ولا شك باستشارة المجموعة الطبية والعلمية، وهو رهين بحالة تفشي هذه العدوى السريعة والقاتلة، لكن يبقى رهين الانضباط والمشاركة الفعالة لكل أطياف المجتمع. في هذا الصدد، يجب على المواطن أن يعتبر نفسه حلقة حيوية في سلسلة تدبير هذه الجائحة، ومؤازرة السلطات العمومية والأمنية في أداء مهامها دون إجهاد إضافي. ولا بد أيضا أن لا ينسى ما تواجهه المجموعات الطبية والعناصر الصحية الأكثر تعرضا للعدوى في حربها ضد الساعة لاحتواء هذا الوباء الجديد.
لا بد من الإشارة إلى أن الدولة، في إطار مهامها السيادية، وحفاظا على الصحة العمومية، يمكن لها تمديد الأجل المحدد إذا تبين عدم الامتثال إلى تطبيق الأوامر. وأظن أن روح المواطنة والتضحية والتضامن، ستكون ميزة هذه الفترة الصعبة. ولنعتبر جميعا حقنا في الصحة أولى من حقنا في الحرية، وأن من لا يضحي بحريته في سبيل صحته لا يستحق أيا منهما.
أجرت الحوار: نورا الفواري

في سطور
حسن سعود
من مواليد خنيفرة
عقيد متقاعد بالدرك الملكي
خبير إستراتيجي وأمني
خبير في التدبير الإستراتيجي للأزمات
باحث مشارك في المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق