إضرابات وعزل قضاة وتنقيلات وانتخابات وملفات مفتوحة دون غيرها من السنوات الماضية، شهدت 2010 مجموعة من الأحداث، التي طبعتها وجعلتها سنة استثنائية بكل المقاييس سنة إضرابات متكررة لكتاب الضبط والمفوضين القضائيين والعدول. شهدت أطول دورة للمجلس الأعلى للقضاء، التي مازالت مستمرة وربما تحمل في طياتها بعض المفاجآت التي سيتم الإعلان عنها، كما عرفت تدشين العديد من المبادرات وإطلاق مفهوم جديد للعدالة.انطلقت تلك الأحداث في 04 يناير الماضي، بتعيين محمد الناصري التقنوقراطي، أو كما يعرف بمحامي القصر على رأس وزارة العدل، واسترجاع الأخيرة من يد حزب الاتحاد الاشتراكي. جاء ذلك التعيين في خضم النقاش الدائر حول إصلاح القضاء بعد إطلاق صاحب الجلالة محمد السادس لخارطة طريق في الذكرى56 لثورة الملك والشعب. تسلم الناصري الوزارة على إيقاع إضرابات في قطاع كتاب الضبط، لم يخفف من وقعها إلا تصريحه بأنه محاميهم الذي سيعمل على الدفاع عن ملفهم المطلبي.في 8 فبراير الماضي، أعلن الوزير الجديد في اجتماع مع المسؤولين القضائيين، عن مجموعة من القرارات التي اتخذتها الوزارة التي تتطلب تنفيذها بشكل استعجالي، وجعل في مقدمتها النهوض ببنية الاستقبال، وتسهيل الولوج إلى المحاكم بما في ذلك اعتماد تجربة "الوسيط" على صعيد المحاكم. هذا "الوسيط" قاض، منوط به مساعدة المتقاضين، في مجالات محددة، بهدف الحد من الصعوبات التي تعترضهم في علاقتهم ببعض المصالح المكلفة بالإجراءات المعتادة بالمحكمة. اتجهت الأنظار حول ماهية القاضي الوسيط والغاية منه، هل المساهمة في تبسيط تنفيذ الإجراءات والمساطر؟ أم ورفع ما يعانيه المتقاضون من تعقيد في تصريف إجراءاتهم بالمحكمة؟ وغيرها من الأسئلة التي تطلبت مرور مدة من الزمن للإجابة عنها. وبعد ما يقارب العشرة أشهر لم تستطع تلك التجربة الخروج عن نطاق مكتب الشكايات والإرشادات، وظلت مؤسسة القاضي الوسيط التي عمد الوزير إلى التعريف بها في العديد من محاكم المملكة يافطة على جدرانها، إذ أن المواطن البسيط الذي يلج المحاكم لا يجد ضالته عند القاضي الوسيط، إذ يطلب منه تدوين شكايته، على اعتبار أنه سوف تتم تدارسها في ما بعد.المفوضون القضائيون كانوا هم كذلك على موعد بعد أن قرروا الدخول في مجموعة من الإضرابات والوقفات احتجاجا على عدم الاهتمام بملفهم المطلبي الذي يخص، مصير ملفهم المطلبي الذي يتمحور حول تعديل مشروع قانون المسطرة المدنية وخصوصا الشق المتعلق بالتنفيذ وقاضي التنفيذ ، ومشروع المساعدة القضائية ، والزيادة في الأجور . لم ينته الصراع إلا بعد أن قبلت وزارة العدل الجلوس إلى طاولة الحوار نهاية مارس الماضي، الذي لم يسفر عن شيء لتذهب مشاريع القوانين إلى الأمانة العامة. ضمن الناصري في الأشهر الاولى ل2010 الهدنة داخل المحاكم وعمل ساعتها على الزيارات التفقدية لبعض المحاكم وتدشين أخرى، ولم يكتب للمجلس الأعلى للقضاء أن يعقد جلساته رغم أن دورته ظلت مفتوحة من السنة الماضية، لأن منصب الرئيس الأول للمجلس الأعلى ظل شاغرا قرابة الشهرين، بعد أن عين الطيب الشرقاوي على رأس وزارة الداخلية. وفي 23 فبراير الماضي عين مصطفى فارس رئسا أول للمجلس.في الثاني من ماي الماضي سيعقد المجلس الأعلى للقضاء دورته التي استمرت لأزيد من أربعة أشهر، أسفرت نتائجها عن تعيين 37 مسؤولا قضائيا، 18 مسؤولا خلال الشطر الأول من أشغال المجلس، و19 مسؤولا بالنسبة للشطر الثاني، وعرفت الدورة أكبر حصة من الترقيات، إذ بت المجلس في 931 ترقية، كما بت في 361 انتقالا للقضاة، التي كان فيها حصة الأسد لمحور البيضاء الرباط. أما المتابعات التأديبية التي أحيلت على المجلس فقد بلغت 30 حالة، تمت تبرئة ستة منها، وعزل أربعة قضاة وإحالة اثنين آخرين على التقاعد التلقائي، و4 على الإقصاء المؤقت عن العمل، وواحد صدرت في حقه عقوبة التأخير عن الترقي، فيما أصدر المجلس 7 إنذارات. وعلى اعتبار أنها سنة غير سابقاتها فقد عرفت، توقيف عضوين من المجلس الأعلى للقضاء جعفر حسون ومحمد أمغار، ببلاغ رسمي صادر عن وزير العدل في 19 غشت الماضي، والقاضي بإيقافهما مؤقتا عن ممارسة مهامهما القضائية والإدارية والتمثيلية بالمجلس الأعلى للقضاء وإيقاف راتبهما وإحالتهما على المجلس كهيأة تأديبية. هذا القرار الذي أثار مجموعة من رود الفعل حول صلاحيات الوزير في اتخاذ القرار من عدمه، وغيرها من الإشكالات القانونية التي صاحبت القضية، والتي عرفت تطورا بعد أن قرر جعفر حسون مقاضاة وزير العدل بشأن قرار التوقيف، أمام المحكمة الإدارية، التي تم رفضها ابتدائيا إذ أصدرت المحكمة طلبا بعدم القبول.هذه الدعوى التي تزامنت مع انطلاق انتخابات المجلس الأعلى للقضاء التي أجريت في 30 من أكتوبر الماضي، أسفرت عن تشكيلة جديدة داخل المجلس الأعلى للقضاء بهيمنة النيابة العامة على المقاعد المنتخبة. كما شهدت الفترة نفسها إجراء انتخابات الودادية الحسنية للقضاة، إذ فاز عبد الحق العياسي الوكيل العام لمحكمة الاستئناف التجارية بالبيضاء بالرتبة الأولى في نتائج انتخاب رئيس جديد للودادية الحسنية للقضاة، متبوعا بإدريس بلمحجوب الرئيس الأول لاستئنافية الرباط، بينما احتل الوافي الفاطمي رئيس المحكمة الابتدائية بالمحمدية المرتبة الثالثة. ومن المنتظر أن يتم رفع اللائحة التي تضم المرشحين الثلاثة إلى جلالة الملك لاختيار الرئيس الجديد للودادية الذي سيخلف مصطفى فارس الرئيس الحالي.في 6 دجنبر الجاري كان من المقر أن يمثل جعفر حسون أمام المجلس الأعلى للقضاء في إطار المجلس التأديبي، إلا أن عدم منحه ودفاعه نسخا من وثائق الملف، ليقرر المجلس في اليوم نفسه رفع ملتمس إلى الملك بعزله ومحمد أمغار. قرار أذيع بالطريقة نفسها لقرار التوقيف قبل أن يتوصل به المعني بالأمر ما دفع هيأة دفاعه إلى المطالبة بفتح تحقيق حول من سربه.الهدنة التي عاشها الوزير مع هيأة كتابة الضبط لم تدم طويلا بعد شنت الأخيرة سلسلة من الإضرابات المتواصلة لأزيد من ثلاثة أشهر، عرفت تنظيم مجموعة من الوقفات الاحتجاجية من بينها الوقفة التي نظمت أمام البرلمان في 27 أكتوبر وضمت حوالي 5000 كاتبة وكاتب ضبط تم خلالها تلاوة "الدعاء الناصري". وفي دجنبر الجاري، ازدادت وتيرة التصعيد بعد دخول جميع النقابات في الحركات الاحتجاجية وهو ما أعلن عنه الناصري أمام مجلس المستشارين، إذ أن عدد الإضرابات التي خاضتها نقابات العدل السنة الجارية تجاوز 70 حركة إضراب، فضلا عن الوقفات الاحتجاجية لساعات أمام المحاكم والبرلمان. وأن نتائج تلك الإضرابات ضيعت أزيد من 234 ألف يوم عمل لكل موظف مضرب، وبلغت تكلفتها المالية حوالي 43 مليار سنتيم. وما زالت الإضرابات متواصلة إلى اليوم. 2010 شهجت كذلك الإعلان عن مفهوم جديد للعدالة من خلال الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الدورة الخريفية لمجلس النواب، القضاء في خدمة المواطن، إذ أكد جلالته على أن "السلطة القضائية، بقدر ما هي مستقلة عن الجهازين، التشريعي والتنفيذي، فإنها جزء لا يتجزأ من سلطة الدولة. فالقضاء مؤتمن على سمو دستور المملكة، وسيادة قوانينها، وحماية حقوق والتزامات المواطنة"، إشارات قوية للسير في مسلسل الإصلاح الذي لم يعرف بعد الانطلاقة الحقيقية، لتحقيق الأمن القضائي. كريمة مصلي