fbpx
مجتمع

معاناة موردي السيارات مع مركز التسجيل بالبيضاء

المندوب سحب صلاحية تسجيل السيارات المستوردة من ثلاثة مراكز بالبيضاء وترك الموردين والمهاجرين “رهينة” مكتب بالحي الحسني

“إنه جحيم البيروقراطية”.. “ليس هكذا تُقرب الإدارة من المواطن.. إنها القطيعة بين المصالح الإدارية والمواطن”.. “كيف يُعقل أن يكون هناك مكتب تسجيل وحيد للسيارات المستوردة في مدينة من حجم الدار البيضاء؟”… هذا صراخ، واستنكار، وتساؤل واحد من موردي السيارات من القارة الأوربية. الرجل، الذي اعتذر عن نشر اسمه لما قد يسببه له ذلك من حزازات مع مديري مراكز تسجيل السيارات بالبيضاء، يكاد يموت غيضا من

هول الفارق الشاسع بين المعاملة الإنسانية الراقية والكريمة التي يلقاها في معظم بلدان أوربا، وبين الإذلال والإهانة والإرهاق بكثرة الإجراءات والمساطر الإدارية التي تقيد كل حركة من حركاته بالمغرب…  
ماذا يحدث؟ الحكاية ببساطة شديدة، كما رواها لـ”الصباح” هذا المواطن الذي أقام ببلدان أوربا لعدة سنوات قبل أن يختار العودة إلى أرض وطن كان يظنه رحيما ليستثمر بعض ما ادخره طيلة فترة اغترابه في استيراد السيارات من أوربا وإعادة بيعها بأرض المغرب، (الحكاية) أن المندوب الجهوي لوزارة النقل والتجهيز بالدار البيضاء، محمد الخدير؛ والذي تم تنقيله في سياق الحركة الانتقالية الأخيرة التي أطلقتها الوزارة، أخيرا، أقدم على خطوة اعتبرها موردو السيارات تضييقا على نشاطهم وفرض مزيد من العراقيل عليه.

 

عبث مندوب وزارة النقل

الخطوة التي أقدم عليها المندوب تتمثل في “سحب صلاحية إنجاز وثائق تعشير السيارات المستوردة من التقنيين المكلفين بذلك من ثلاثة مراكز وحصرها في مركز وحيد بالدار البيضاء كلها”، يوضح مصدر موثوق من داخل مركز تسجيل السيارات للدار البيضاء الشمالية (قبالة ميناء البيضاء). هذه الخطوة “العبثية والاعتباطية”، حسب تعبير أحد الموردين، اتخذت قبل حوالي سنة ونيف.
فبين عشية وضحاها راق للمندوب السابق (الخدير) أن يجعل عمليات تسجيل السيارات المستوردة قاصرة على مركز وحيد ويتيم في الدار البيضاء بأسرها. المدينة التي تعتبر القلب الاقتصادي النابض للمملكة، والتي يقصدها أغلب النشطين في مجال الاستيراد والتصدير أصبح بها مركز واحد منزو في أقصى جنوبها. إنه المركز الوطني للتجارب والتصديق-مركز تسجيل السيارات الدار البيضاء الجنوبية، الذي يوجد مقره بالحي الحسني، في موقع مكتظ بحركة السير والجولان.
من جميع المقاطعات الست عشرة بالبيضاء يتوافد الموردون، أو المغاربة المقيمون بالخارج، على هذا المركز. يصطفون، خاصة في فترة عطلة الصيف وعطلة رأس السنة الميلادية، في طوابير طويلة أمام مكتب يبعث حاله على الكآبة، حتى يتسنى لهم أن يحصلوا على وثيقة تافهة (مقارنة بباقي مساطر وإجراءات تسجيل السيارات والعربات المستوردة من الخارج) تسمى “شهادة تحديد الهوية”.
فبجرة قلم بسيطة، سحب المندوب السابق صلاحية توقيع وتسليم هذه الشهادة من ثلاثة مراكز تسجيل سيارات بالبيضاء، وجعلها مقتصرة على المركز الموجود بالحي الحسني. “عندما تساءلنا عن السبب برر خطوته المتهورة بأن أقسام تسجيل السيارات المستوردة لا تعرف ضغطا كبيرا يقتضي وجودها بالمراكز الأربعة لتسجيل السيارات بالدار البيضاء، وأن السيارات المستوردة ليست كثيرة حتى نُخصص لها موظفا بكل مركز”، يشرح أحد موظفي تسجيل السيارات.  

مضيعة للوقت والجهد والمال

“الخطابات التي يروجونها عن المعاملة الحسنة التي يلقاها المهاجر، أو التي يجب أن يحظى بها، ما هي إلا ضحك على الذقون وذر للرماد في العيون”، يقول مستورد السيارات، وفي نبرة صوته غيض وحنق لا تخطئهما الأذن. كيف لا وهو الذي قرر أن يخوض تجربة هجرة معاكسة من أحد بلدان أوربا المتطورة اقتصاديا والمتحضرة اجتماعيا، وحيث يسود القانون ويعلو لا يُعلى عليه، بعد أن حصل على أوراق الإقامة به وأصبح واحدا من مواطنيه، فآثر أن يعود إلى وطنه، ومعه أبناؤه، ليستقر ويستثمر ما ادخر من مال، خلال فترة الاغتراب الطويلة التي قضاها بذلك البلد الأوربي، في أرض وطنه؛ معتقدا أن الوصلات الإشهارية للتلفزيون العمومي والخطب المناسباتية حول المعاملة الحسنة للمهاجرين وعد صادق وتعكس حقيقة التغيير الذي عرفته سياسات الدولة تجاه “أبنائها” في أرض المهجر، لكن الأمر في واقع الحال كان سرابا لا يدرك.
عملية تسجيل السيارات المستوردة التي كانت تستغرق في العادة ما بين يومين وثلاثة أيام، أصبحت تستنزف من وقت المستوردين والمهاجرين زمنا لا يقل عن عشرة أيام كاملة، هذا في حال لم يطل الأمر إلى أكثر من ذلك.
فتخيل مثلا أن مستوردا للسيارات يقيم بمقاطعة البرنوصي، التي يوجد بها مركز خاص بتسجيل السيارات، صار عليه، بموجب القرار “المتهور والمتسرع للمندوب (السابق)”، أن يقطع كل تلك المسافة من أقصى شمال البيضاء إلى جنوبها، مع ما يرافق ذلك من معاناة بسبب جحيم الاختناق المروري على طول الطريق إلى الحي الحسني، ليحصل على وثيقة بإمكان أي تقني في المركز الموجود بالبرنوصي أن يسلمها له. “هذا هو الاستبداد والطغيان والشطط في استغلال السلطة” يقول المستورد الذي تحدث إلى “الصباح”.
وبطبيعة الحال، فالعالمون بخبايا عالم المال والأعمال يعرفون جيدا أن هذه “البيروقراطية المقيتة” التي أرساها المندوب السابق لا تقتصر أضرارها على تضييع وقت المستوردين والمهاجرين على حد سواء، بل تكلفهم من المال الشيء الكثير من أجل تسريع وتيسير عملية إنجاز وثائق تسجيل سياراتهم.
المصائب التي خلفها القرار العشوائي للمندوب السابق لوزارة النقل والتجهيز بالدار البيضاء، محمد الخدير، كانت لها بطبيعة الحال تبعات أخرى غير تلك المذكورة أعلاه.
فمكتب تسجيل السيارات المستوردة بمركز تسجيل السيارات بالحي الحسني (سيرفيس دي مين، كما يصطلح عليه كثيرون) أصبح له توقيت عمل ضيق جدا، بالكاد يتسع لاستقبال بضع ملفات ثم يُغلق أبوابه. توقيته حاليا، كما تشير إلى ذلك ورقة مكتوبة بالبنط العريض معلقة على إحدى نوافذه، هو التاسعة صباحا إلى منتصف اليوم “ومن تأخر عن ذلك فليعد في اليوم اللاحق.. ولا زربة على صلاح”، يقول مهاجر مغربي بإيطاليا جاء من البرنوصي ليسجل سيارة باعها لشخص آخر. الموظف الموجود في هذا المكتب، والمغلوب على أمره، طالب بوضع هذا التوقيت حتى يتسنى له في الفترة الزوالية معاجلة الملفات التي توصل بها في الصباح.. “..ولا زربة على صلاح” كما يقول المهاجر.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى