fbpx
حوادثمقالات الرأي

فتوخ: الشفعة في ضوء توجهات محكمة النقض

التقييد النهائي للحق هو المعتبر قانونا لسريان أجل الشفعة في مواجهة الشفيع (3/3)

بقلم: حسن فتوخ *

تواترت محكمة النقض في اجتهادها على تكريس التفرقة بين إجراء الإيداع، وإجراء التقييد، معتبرة أن ” المراد بالتقييد … هو تقييد عقد الشراء بالرسم العقاري من قبل المحافظ، كما هو مستفاد من مقتضيات الفصل 75 من ظهير التحفيظ العقاري بشأن التحفيظ العقاري، لا مجرد إيداع العقد، الذي إنما يعتبر جزءا من مرحلة سابقة عن التقييد التي تنظمها الفصول 72- 74- 78 من الظهير نفسه، ومن ثم فإن التقييد الفعلي بالرسم العقاري، هو وحده الذي يكتسي طابع الإشهار والعلانية في مواجهة الكافة، ويفترض العلم به من قبل الجميع، وبالنتيجة فإن الشفيع إنما يتقيد طبقا للفصل 32 المشار إليه أعلاه بأجل السنة ابتداء من تاريخ تقييد عقد الشراء بالرسم العقاري من قبل المحافظ، لا بإيداعه بين يدي هذا الأخير الذي لا يفترض العلم به من قبل الغير، وبالتالي لا يشكل بالنسبة للشفيع انطلاق بداية احتساب أجل الشفعة” .
وخلصت محكمة النقض في النتيجة إلى القول: “إن قضاة الاستئناف لما عللوا قضاءهم برفض طلب الطاعنين أنه في شفعة العقار المحفظ يعتبر تاريخ إيداع عقد الشراء بالمحافظة العقارية، وسجلها المعد لذلك هو تاريخ انطلاق احتساب أجل المطالبة بالشفعة، وأنه بمرور سنة من تاريخ الإيداع المذكور ينقضي حق الشفيع وليس تاريخ تقييد المبيع بالرسم العقاري… فإنهم يكونون قد طبقوا الفصل 32 من ظهير 2 يونيو 1915 تطبيقا خاطئا ولم يركزوا قضاءهم على أساس قانوني مما يعرضه للنقض”.
وبصرف النظر عن الجدل الفقهي القائم حول هذا الاتجاه القضائي، فإننا نعتقد أن التقييد النهائي للحق هو المعتبر قانونا لسريان أجل الشفعة في مواجهة الشفيع، استنادا إلى قرينة العلم بالتقييد المنصوص عليها في الفصل 32 من ظهير التحفيظ العقاري، وأن الحكم النهائي الصادر بشأن المقال موضوع التقييد الاحتياطي والمعترف بالحق لفائدة المستفيد من التقييد المذكور لا يحتج به ضد الشفيع إلا من تاريخ تقييده وفقا لمقتضيات الفصل 65 من ظهير التحفيظ العقاري، لأن الأثر الرجعي للتقييد الاحتياطي قد شرع لصالح المستفيد منه، في مواجهة أصحاب التقييدات الاحتياطية، ولا يمكن أن يمتد هذا الأثر إلى إسقاط حق الشفعة عن الشفيع الذي لا ينشأ قانونا إلا بعد صيرورة الحكم القاضي بإتمام إجراءات البيع بين المشتري والشريك مكتسبا لقوة الشيء المقضي به وتقييده بالرسم العقاري عملا بمبدأ الأثر الإنشائي للتقييد.
2) الطبيعة العقارية للمياه ومدى اعتبار المشفوع منه غيرا حسن النية
الفقرة الأولى : الطبيعة العقارية للمياه
نظرا للطبيعة العقارية للمياه طرح الإشكال حول مدى جواز ممارسة حق الشفعة في حقوق الماء؟
يجيبنا العمل القضائي في هذا السياق بما يلي:
“حيث إن المدعي يطلب الحكم باستحقاقه للشفعة في النصف من حق الماء الطالع من ساقية أسكجور جنان أبلا وعلى المدعى عليه بتمكينه منه. وحيث إن المدعي لم يدل بأية حجة تثبت أن العين المطلوب استحقاقها بالشفعة توجد بالعقار الذي تنازل له عنه أخوه هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشفعة تنصب على الأصول والحال أن المدعي لا يملك سوى التصرف في العقار دون حق الرقبة الذي هو الأصل. وحيث إنه مادام أن الماء موضوع طلب الشفعة هو تابع، ومادام أن الشفعة لا تجوز في المتبوع لتعلقه بحقوق تصرفية وليست بحقوق تنصب على حقوق الرقبة فإنه لا يمكن شفعته لأن التابع يتبع المتبوع وجودا وعدما” .
ويلاحظ أن حيثيات هذا الحكم، قد اعتبرت أن ملكية الماء تابعة لملكية للعقار، وتدور وجودا وعدما مع هذا الأخير، لذلك تم رفض طلب استحقاق الشفعة على أساس أن المدعي لا يملك سوى حق التصرف في العقار دون حق الرقبة الذي هو الأصل، وبالتالي فما دامت الشفعة لا تجوز في المتبوع فمن باب أولى وأحرى أنها لا تجوز في التابع.
كما أن الشفعة في حق الماء يجوز ممارستها من قبل الشركاء في الماء ولو قام الشريك بتفويت نصيبه في الماء وحده دون الأرض، طالما أن هذه الأخيرة التي يتم سقيها بذلك الماء مشتركة، على اعتبار أن حق الماء وحده حق عقاري، وأن بيع حصة مشاعة منه من قبل مالكها على الشياع يخول لباقي الشركاء ممارسة حق الشفعة في الحصة المذكورة.
وقد أكدت محكمة الاستئناف بمراكش ذلك في أحد قراراتها الذي جاء فيه ما يلي:
“الشفعة تثبت للشركاء في الماء سواء باع الشريك نصيبه في الماء وحده دون الأرض، مادامت الأرض التي تسقى بذلك الماء مشتركة، ولا خلاف بين المالكية في هذا الحكم” .
ويتضح من خلال ما ذكر أعلاه، أن الحقوق الخاصة المكتسبة على المياه العامة تشكل استثناء من مبدأ الأثر الإنشائي للتقييد، إذ إن وجودها القانوني يثبت باعتراف الإدارة بها بمقتضى قرار إداري بصرف النظر عن القيام بإجراء تقييدها بالرسم العقاري أو عدمه.
الفقرة الثانية: مدى اعتبار المشفوع منه غيرا حسن النية
تجدر الملاحظة في البداية، أن هناك غيابا للانسجام بين الحق في ممارسة الشفعة وبين الحجية المطلقة للتقييد في مواجهة الغير حسن النية، إذ إن الشخص الذي يشتري حصة مشاعة في عقار محفظ يعلم علم اليقين أن العقار هو مملوك على الشياع، وأن تصرف أي شريك في حصته يعطي لباقي الشركاء الحق في استشفاعها وانتزاعها من المشتري، وبالتالي فلا يمكن القول إن هذا الأخير هو حسن النية .
ولكن ما الحكم إذا ما بادر المشفوع منه إلى التصرف في حصته إلى شخص آخر من الغير ؟
فهل يمكن لهذا الأخير أن يواجه الشفيع بحسن نيته، وبالتالي التمسك بحقه المسجل على الرسم العقاري، ويمنعه من ممارسة حق الشفعة بدعوى أن شراءه قد حصل من مالك مسجل قانونا في الرسم العقاري الذي لم يتضمن أي إشارة تفيد أن الشفيع قد عبر عن نيته في ممارسة حق الشفعة ضد هذا البائع له ؟
جوابا عن ذلك، اعتبرت محكمة النقض أن للشفيع الحق في ممارسة الشفعة ضد المشتري ولو باع الحصة المبيعة، وسجل البيع على الرسم العقاري، إذ يكون له في هذه الحالة الخيار في الأخذ بالشفعة من يد المشتري الأول أو الثاني . بل وحتى ولو قام المشتري الثاني بإعلام الشريك على الشياع بشرائه، فإن ذلك لا يحول دون سقوط الحق في الأخذ بالشفعة ضد المشتري داخل الأجل القانوني، تكريسا لحق الخيار المخول إياه ؟
ويتضح من خلال مضمون القرار أعلاه، أن المشتري الثاني لحصة شائعة لا يمكنه مواجهة الشفيع بحسن نيته لرد دعوى ممارسة الشفعة، الأمر الذي يتعارض مع نصوص القانون العقاري الخاصة بحجية تقييد الحقوق في الرسم العقاري، والتي تقتضي عدم التمسك بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير حسن النية الذي اكتسب حقه بالاستناد على مضمون الرسم العقاري . ومن ثم فإن الغير حسن النية الذي اكتسب حقوقا على عقار شائع يكون معرضا لزوال حقه ويحل محله الشفيع الذي يصبح هو المشتري وينتج البيع الذي كان سببا في ممارسة الشفعة كل آثاره في ما بين البائع والشفيع ويلتزمان في مواجهة بعضهما.
* مستشار بمحكمة النقض
رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى