fbpx
حوادثمقالات الرأي

فتوخ: الشفعة في ضوء توجهات محكمة النقض 1/3

رخصة للتوصل إلى كسب حق الملكية بشروط في أحوال مخصوصة (3/1)

بقلم: حسن فتوخ *

كرس المشرع المغربي صراحة الوجود القانوني لحق الشفعة، من خلال مقتضيات المادة 292 من مدونة الحقوق العينية، التي اعتبرته بأنه الحق الثابت للمالكين على الشياع في استرداد الحصة المبيعة، دون المالكين في الملكية المشتركة الذين يحق لهم ممارسة حق الأفضلية بشأن الشقة المفرزة المبيعة وفق المادة 39 من قانون 18-00 المتعلق بملكية الشقق والطبقات.

ممارسة حق الشفعة يجب أن تتم عن طريق إعلان الرغبة وعرض الثمن وإيداعه بصندوق المحكمة داخل الأجل القانوني، مما يجعل دعوى الشفعة في مواجهة المشفوع منه دعوى عينية لأنها ترمي إلى استحقاق حق عيني عقاري وحلول الشفيع محل المشتري المشفوع منه عملا بمقتضيات المادة 12 من المدونة نفسها.
ولعل تناول هذا الموضوع، يقتضي منا الحديث عن بعض الإشكالات المتعلقة بصحة إجراءات الشفعة، ثم الوقوف على الطبيعة العقارية ومدى حسن نية المشفوع منه.
بعض الإشكالات المتعلقة بصحة إجراءات الشفعة:
الفقرة الأولى: خصوصيات الشفعة في العقار في طور التحفيظ
يحق للشفيع التعرض إما على مطلب التحفيظ، وإما على الإيداع حسبما إذا كان المشفوع منه قد اختار مسطرة نشر الخلاصة الإصلاحية، أو مسطرة الإيداع. ومن ثم نخلص إلى القول بأن الشفعة هي مجرد رخصة للتوصل إلى كسب حق الملكية بشروط في أحوال مخصوصة، وهذه الإباحة لا تنتج حقا إلا إذا استعملت، وحينئذ فلا يتولد حق عيني للشفيع بمجرد البيع، وإنما يتولد هذا الحق عن طلب الشفيع بالأخذ بالشفعة والقضاء له به عملا بنص المادة 306 من مدونة الحقوق العينية التي أوجبت على الشفيع القيام داخل الآجال القانونية بإجراءات العرض العيني للثمن ومصروفات العقد الظاهرة والمصروفات النافعة والإيداع بصندوق المحكمة في حالة رفض المشفوع منه للعرض العيني تحت طائلة سقوط الحق، هذا مع العلم أن محكمة النقض اعتبرت في أحد قراراتها أن العرض العيني بواسطة شيك بنكي بدون مؤونة يقوم مقام العرض الناقض حسبما هو واضح من خلال الحيثيات التالية:
“العرض العيني للأخذ بالشفعة ولئن صح بواسطة الشيك باعتباره أداة وفاء، فإن شرطه أن تكون مؤونة الشيك متوفرة لدى البنك المسحوب عليه بتاريخ إنشاء الشيك وبتاريخ عرضه على المشفوع منه، والمحكمة لما قضت بسقوط حق الشفيع في الأخذ بالشفعة بعلة عدم صحة العرض العيني للشفعة باعتباره عرضا ناقصا لعدم توفر الشيك على المؤونة المغطية لمقابل الشفعة، تكون قد بنت قضاءها على أساس من القانون ولم تخرق أي مقتضى قانوني” .
فما هي إذن خصوصيات إجراءات المطالبة بحق الشفعة الوارد على عقار في طور التحفيظ؟ وكيف يمكن تفسير أجل السنة من تاريخ الإيداع، وهل الشفيع ملزم بممارسة حق الشفعة داخل الأجل العام، وهو أجل السنة، أم داخل الأجل الخاص وهو أجل شهرين للتعرض، أم داخل أجل الشهر في حالة تبليغه شخصيا من قبل المشفوع منه؟ وهل هناك ما يمنع قانونا من اختيار المشتري لحصة مشاعة سلوك مسطرة نشر الخلاصة الإصلاحية؟ وما هو الأثر القانوني الذي يترتب عن الإيداع الذي ينجزه المحافظ العقاري بشأن بيع وقع من طرف أحد الشركاء بعد إحالة الملف على المحكمة للبت في التعرضات؟
ولعل الجواب على ذلك يدفعنا إلى القول، بأنه إذا كان المشرع قد حدد طريقة التدخل في مسطرة التحفيظ عن طريق التعرض، فإنه أضاف نوعا جديدا من التعرضات وهو ما يسمى بالتعرض على الإيداع الذي يتم وفق الفصل 84 من ظهير التحفيظ العقاري. أي ما مفاده أن تحديد مظاهر تعرض الشفيع يتوقف على المسطرة التي وقع اختيارها من طرف المشفوع منه لإشهار عقد شرائه للحصة المشاعة.
ومن ثم فإذا تم سلوك مسطرة نشر الخلاصة الإصلاحية الواردة في الفصل 83 من ظهير التحفيظ العقاري، فإن تعرض الشفيع سينصب على مطلب التحفيظ. أما إذا وقع اختيار الفصل 84 أعلاه، فإن تعرض الشفيع سيكون ضد الإيداع وليس ضد مطلب التحفيظ، علما أن محكمة النقض اعتبرت أن التعرض على الإيداع لا يمنع المحافظ من اتخاذ قرار التحفيظ .
ومعلوم أن الاختيار المتحدث عنه في الفصل 83 أعلاه والمقرر لفائدة المفوت له رهين بوجود ملف مطلب التحفيظ في مرحلته الإدارية. أي أن الخيار الممنوح للمفوت له في سلوك مسطرة نشر الخلاصة الإصلاحية أو مسطرة الإيداع يتوقف على عدم إحالة ملف مطلب التحفيظ من طرف المحافظ على محكمة التحفيظ للبت في التعرضات، إذ بمجرد حصول هذه الإحالة التي تبتدئ من تاريخ توقيع المراسلة من طرف المحافظ وتسجيلها في السجل المعد لذلك وإعطائها رقما ترتيبيا، تغل صلاحية المحافظ الموكولة إليه قانونا في فتح التعرضات على مطلب التحفيظ أو على الإيداع الذي تم في إطار الفصل 84 من (ظ ت ع).
وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي تفويت يقع بعد إحالة ملف المطلب على محكمة التحفيظ ، يسد باب الخيار المقرر للمفوت له بين المسطرتين أعلاه، ويجعله محقا فقط في مباشرة مسطرة واحدة وهي مسطرة الإيداع دون مسطرة نشر الخلاصة الإصلاحية التي تقتضي وجود الملف بين يدي المحافظ للقيام بإجراءات الإشهار والنشر في الجريدة الرسمية.
ومن ثم فإن حصول هذا النوع من الإيداع في المرحلة القضائية للتحفيظ، يترتب عنه لا محالة حرمان الشفيع من التعرض على الإيداع المذكور، بدليل أن المحافظ غير مختص والملف بين يدي محكمة التحفيظ ، وأن اختصاص وكيل الملك قد تم حذفه بنص الفصل 29 المعدل بمقتضى قانون 14/07، وبالتالي نخلص إلى القول بأنه ليست هناك أية جهة إدارية أو قضائية مختصة لقبول التعرض على الإيداع في هذه المرحلة، مما ينتج عنه حتما ضياع حقوق الشفيع بقوة القانون الذي أقر له حق الشفعة في مدونة الحقوق العينية وانتزع منه بمقتضى قانون 14/07.
وترتيبا على ذلك، فإن المسوغ الذي كان معتمدا من قبل المحافظين قبل التعديل، لم يعد ملائما بعد التعديل الذي حصل بتاريخ 24/11/2013 بمقتضى قانون 14/07. لذا يتعين على الجهات المعنية بقطاع التحفيظ العقاري التدخل صراحة لحث المحافظين على عدم تلقي أي إيداع أثناء المرحلة القضائية للتحفيظ، وذلك لضمان حقوق المتعرضين الذين تنشأ لهم في تلك المرحلة. إذ أنه من غير المقبول أن يقبل المحافظ إجراء الإيداع لفائدة المفوت له، ويرفض التعرض على ذلك الإيداع بعلة عدم اختصاص المحافظ طبقا للفصلين 24 و29 من ظهير التحفيظ العقاري.
* مستشار بمحكمة النقض
رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى