ربورتاج

سامير … قصة خوصصة انتهت بالإفلاس

تعثر التفويت يهدد بتلاشي أصول الشركة الرائدة في تكرير النفط

أين وصل ملف سامير؟ ولماذا تعذرت عملية التفويت، منذ إدخال الشركة مرحلة التصفية القضائية في 2015؟، وكيف أصبحت أصول الشركة في ظل توقف الإنتاج؟، وما مصير حوالي ألف مستخدم من مهندسين وتقنيين وعمال، وهل هناك أفق لإنقاذ معلمة صناعة تكرير المحروقات من التلاشي. وما هي مخاطر إعدام الشركة على تأمين السوق الوطني من المحروقات، في ظل الارتهان كليا إلى استيراد المنتوج المكرر من السوق الدولية؟ أسئلة كثيرة تعيد «الصباح» طرحها ومحاولة سبر أغوار هذا الملف الشائك الذي اختارت الحكومة التعاطي معه بمنطق “كم حاجة قضيناها بتركها”، والتضحية بتجربة أزيد من خمسين سنة من الخبرة في قطاع حيوي، مثل تكرير النفط، الذي يكلف الدولة اليوم مبالغ من العملة الصعبة لاقتناء المحروقات مكررة، بعدما كان يقوم بتكريرها في منشآت سامير.
إعداد: برحو بوزياني

دخلت سامير مرحلة التوقف عن الإنتاج منذ غشت 2015، لتتعطل المصفاة عن تكرير النفط الذي كانت تتزود به، وتدخل معه الشركة وضعية تهدد أصولها بالتلاشي، في ظل توقف أشغال الصيانة التي كانت تكلف سنويا 200 مليون درهم، تخصص لاقتناء قطع الغيار الضرورية وتطوير الآليات.
ورغم هذا التوقف، فقد حرص المستخدمون طيلة سنوات التوقف على إنجاز عمليات الصيانة الدورية، وفق الإمكانيات المالية المتأتية من مالية الشركة ونشاط فروعها، من أجل الحفاظ على شروط إعادة الإنتاج في أقرب وقت.

شركة متوقفة منذ 2015

تهدف عملية الصيانة الدورية التي يقوم بها الأجراء إلى تأمين شروط السلامة والأمن داخل المقاولة، وضمان سلامة منشآتها وحمايتها من أي تخريب.

22 مليار درهم سعر البيع
حدد الثمن الافتتاحي المقترح لبيع أصول الشركة، الذي يجري في المحكمة التجارية، في 22 مليار درهم، والحال أن بناء مصفاة جديدة بطاقة إنتاج 200 ألف برميل يوميا، يتطلب استثمارا ضخما بقيمة 50 مليار درهم، في الوقت الذي لا تتجاوز كلفة الصيانة من أجل إعادة الإنتاج، مبلغ 1.5 مليار درهم، كما حددت ذلك أحدث الخبرات الأجنبية التي أنجزت أخيرا.

عقود شغل قائمة

مازال أغلب العمال والمستخدمين مرتبطين بعقود الشغل مع الشركة، رغم توقف الإنتاج، فقد قضى الحكم القاضي بالتصفية القضائية باستمرار النشاط، وعدم فصل أي مستخدم عن العمل.
وفي هذا الإطار، فإن السانديك المكلف بتدبير الشركة له الحق في الحفاظ على العقود التي يراها ضرورية لإنجاح عملية التفويت، وضمنها عقود الشغل الخاصة بالمستخدمين، إيمانا منه بدورهم المركزي في استئناف الإنتاج. ولهذا فإن العاملين يحضرون لمقرات العملة بانتظام دائم، وفي احترام لمواقيت العمل المحددة، بما فيها أيام الأعياد والعطل، والهدف هو الحفاظ على أصول الشركة وحمايتها من أي سرقة أو تخريب أو إتلاف، كما أن مختلف فرق الصيانة والطوارئ تشتغل بشكل عاد.

أجور بدون تعويضات

رغم توقف العمل منذ 2015، إلا أن المستخدمين مازالوا يتقاضون أجورهم الأساسية، في حين تم توقيف التعويضات والمنح بشكل مؤقت، وتسجيلها ديونا ناشئة. هذه الوضعية أثرت على الأوضاع الاجتماعية للعمال، إذ تراجع دخلهم بنسبة 40 في المائة، في حين ظلت الصناديق الاجتماعية بمقتضى الاتفاقيات الموقعة مع ممثلي العمال، تؤدي المعاشات والتغطية الصحية والتعويضات العائلية، على أساس تأجيل أداء الاشتراكات إلى ما بعد تفويت الشركة.
ولحد الساعة، مازال حوالي 650 من المستخدمين من أصل ألف، مرتبطين بعقود الشغل مع الشركة، وهو التناقص الذي يعود إلى بلوغ عدد من العمال سن التقاعد، واستقالات البعض الذين التحقوا بشركات أخرى ذات الأنشطة المماثلة. والسؤال المطروح، لماذا تحتفظ شركة في طور التصفية بعمالها، وتؤدي أجورهم منذ خمس سنوات؟ الجواب، هو أن أصحاب العروض الذين يرغبون في اقتناء الشركة يشترطون الاحتفاظ بالموارد البشرية التي تمكنهم من إعادة التشغيل في أسرع الأوقات، لتجاوز الصعوبات التي ستواجههم في حال اقتناء الأصول، في البحث عن مستخدمين وتقنيين لهم الخبرة والتجربة الضروريتان لإعادة التشغيل المصفاة، علما ن مدة تكوينهم قد تتطلب سنتين على الأقل.

تضرر شركات مناولة

لم تقف أضرار توقف «سامير» عند مستخدميها فقط، بل امتدت إلى عشرات المقاولات وشركات المناولة التي كانت ترتبط في عملها بنشاط المصفاة، إذ بلغ عدد مناصب الشغل الضائعة 3500 منصب، في الوقت الذي تواجه الشركات الدائنة ، مثل شركة «بوزيكيلي» وشركة « BLS» وشركة « «SIM»، مشاكل مالية. ولم يقتصر ضرر إغلاق «سامير» على هؤلاء، بل امتدت تداعياته إلى الشركات الفرعية التابعة مثل «سلام غاز» و»SDCC» و»TSPP».

تصفية قضائية متعثرة

منذ أن أعلن عن دخول الشركة في مرحلة الإعسار المالي ، بناء على الخبرة التي أجرتها المحكمة التجارية في فبراير 2016، وأكدت على اختلال التوازنات المالية للشركة، بصفة لا رجعة فيها، دخل الملف إلى مرحلة التصفية القضائية.
وحسب القانون التجاري، فإن الإذن باستمرار نشاط الشركة، يعود إلى اقتناع المحكمة بأنه في مصلحة الدائنين والمأجورين على حد سواء، لأن الهدف من التصفية هو الحفاظ على مناصب الشغل، وتفويت أصول الشركة بما يضمن أداء الديون المتراكمة عليها لفائدة البنوك والدولة.
ولا تعني الديون السابقة التي تقدر بـ 40 مليار درهم، المقتني الجديد للشركة، إذ عليه أن يؤدي فقط ثمن التفويت المتفق عليه، على أن المحكمة هي التي ستتكلف بتوزيع المبلغ على الدائنين حسب الأولوية والأحقية، وفي مقدمتهم الدائنون الكبار من جمارك وبنوك، بقيمة 25 مليار درهم، فيما يتوزع مبلغ 15 مليار درهم بين الدائنين الدوليين والدائنين الصغار المغاربة.

عروض غير مقنعة

تتوزع العروض التي توصلت بها المحكمة التجارية منذ 30 يناير 2017، تاريخ الحكم القضائي بفتح الباب أمام تفويت أصول الشركة إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول وصفته مصادر مقربة من الملف بغير الجدي، الهدف من أصحابه هو إفساد عملية التفويت، وهم كثيرون، ويلتقون مع مبتغى «كورال»، واللوبيات التي تخشى نهوض «وحش سامير»، الذي سيضرب مصالحهم.
النوع الثاني، يهم عروضا جدية، لكن لها شروط لا علاقة لها باختصاص المحكمة، وهي تسائل الحكومة، وتتعلق بتوضيح مستقبل التهيئة العمرانية بمصفاة المحمدية، وهذا الجواب لم تقدمه الحكومة إلى اليوم.
أما النوع الثالث، فيتعلق بعروض بدون شروط، لكن المشكل الذي يواجه أصحابها هو الضمانات المطلوبة من قبل المحكمة التجارية، والمحددة في النص القانوني. هذه الضمانات هي ما يقف وراء تردد المستثمرين، بسبب عدم وضوح رؤية الحكومة حول مستقبل صناعة تكرير البترول، خاصة بعد تحرير الواردات والأسعار.
التدبير الحر والتفويت الشمولي
المقصود بالتفويت الشمولي، بيع أصول الشركة بطريقة تضمن أكبر سعر، عوض خيار التجزيء الذي سيضر بمصالح الدائنين، ولذلك تمت معارضة تفكيك الأصول من قبل القاضي المنتدب، الذي تقدم به السانديك سنة 2019.
أما التدبير الحر، وهو خيار منصوص عليه في القانون التجاري، فيقضي بالإذن للسانديك بفتح العروض لتلقي طلبات التسيير الحر، بالموازاة مع الاستمرار في جهود تفويت الشركة، وهما خياران متوازيان، لا يلغي أحدهما الآخر. ويقضي هذا الشكل بتوقيع اتفاقية لاستغلال المصفاة بين السانديك وشركة مختصة في الميدان، من أجل استصلاح المصفاة واستئناف النشاط الطبيعي، مع تحمل مصاريف التسيير، مقابل عمولات تؤدى للسانديك، الذي يشرف على التدبير المالي والإداري للمقاولة، بتنسيق مع القاضي المنتدب، باعتباره الممثل القانوني لسامير في مرحلة التصفية القضائية.

كلفة الاستيراد

يخسر المغرب موارد مالية بالعملة الصعبة في اقتناء المحروقات المكررة من السوق الدولية، في الوقت الذي كان يستورد نفطا خاما يجري تكريره في المصفاة، وتقتنيه شركات التوزيع. والحال أن المغرب اليوم بات يستورد كل حاجياته من دول غير منتجة للنفط، مثل إسبانيا، التي طورت صناعة التكرير، وأصبحت تصدر المحروقات بأسعار يحددها سعر البرميل في السوق الدولية.
وفي الوقت الذي كانت سامير تقوم بتكرير النفط، كان بالإمكان مراقبة جودة المنتوج، بالنظر إلى الكميات الكبيرة المستوردة من النفط، في حين بات اليوم من الصعب مراقبة هذه العملية، بسبب تشتت عمليات الاستيراد من قبل الموزعين.
وبرأي الخبراء، لم يسبق لوزارة الطاقة أن أعلنت عن ضبط غش في جودة المحروقات، أو ردت على الاتهامات التي يتداولها المستهلكون في بعض الأحيان، حول ضعف جودة البنزين المسوق من قبل بعض المحطات. وتظهر الأرقام أن تفاقم عجز الميزان التجاري، ساهم فيه تمويل استيراد النفط المكرر بالعملة الصعبة، في الوقت الذي كانت «سامير» تقوم بالتكرير، وتوفير المخزون الاحتياطي، بعيدا عن عن الارتهان إلى تقلبات السوق، وتحكم التجار الدوليين في الأسعار، خاصة عندما يعرفون أن الزبون لا يتوفر على مصفاة للتكرير، وهو ما يسميه الخبراء التحكم في البحر، لينضاف إلى التحكم في البر، من خلال الأسعار التي تحددها الشركات الخمس المسيطرة على أكثر من ثلثي السوق الوطنية.

قوة تخزين

تتوفر الشركة على طاقة تخزين تفوق 2 مليون متر مكعب من المحروقات، بمخازن المحمدية والمستودعات المجاورة لها، ما يسهل مهمة التوزيع على كل مناطق المغرب، فضلا عن ارتباط المصفاة بمعمل سيدي قاسم، بأنبوب تحت الأرض طوله 200 كيلومتر.
ومع تحرير السوق في نهاية 2015، أصبحت شركات التوزيع هي المتحكمة في تحديد الأسعار، ويرى خبراء أن الثمن المعمول به اليوم في السوق يفوق السعر المعمول به وقت اشتغال «سامير»، إذ قدرت نسبة الزيادة بدرهم واحد في اللتر، مقارنة مع مرحلة ما قبل التحرير، وهو ما يفسر الأرباح غير المشروعة التي راكمتها شركات التوزيع، وفق ما كشفت عنه لجنة الاستطلاع البرلمانية.
وحسب الخبراء، فإن المغرب يستورد أزيد من 10 ملايير لتر من المواد البترولية سنويا، وبحساب بسيط، فإن زيادة درهم واحد، معناه توفير عشرة ملايير درهم سنويا من الأرباح لفائدة الموزعين.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق